Note: English translation is not 100% accurate
صديقي «الأوروبي» ! .. بقلم: حسين جلال
16 يناير 2015
المصدر : الأنباء
بينما كنت أهم بالانصراف مغادرا مكتبي، إذ دخل عليّ صديقي عابسا متجهما تعلو ثنايا وجهه غضبة تتلوها غضبات، وقال ما رأيك فيما حدث، وكان يشير إلى ما حدث في إحدى الجرائد الفرنسية من تفجيرات؟
ثم أردف: أم تراك سعيدا لما حدث؟
فبادرته على الفور: معاذ الله أنا أمقت العنف أشد المقت وأبغض القتل أشد البغض، وتطلعت إلى ثنايا وجهه فإذا بعض الغضب قد زال عنه وبدأت أساريره تنفرج شيئا قليلاً، فاستطردت: ان هذا الأسلوب لا يصلح ولا يصح أبدا في تعاملاتنا الإسلامية الراقية في التعامل مع الآخر، فالله تعالى يقول (ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا).
ثم استطردت سائلا إياه، ولكن لماذا يسيء هؤلاء القوم الى عقائدنا ومقدساتنا؟
قال إنها حرية الرأي، ثم أردف وكأنه يخبرني بشيء مهم: هذه المجتمعات تتمتع بكم هائل من الديموقراطية يتيح لها نقد كل شيء (وصديقي لمن لا يعرفه درس في ألمانيا وحصل على أرقى الشهادات في تخصصه).
فأبديت دهشة ممزوجة بامتعاض وقلت حرية رأي! كيف ذلك تسيء إلى مقدساتي وتعتبر ذلك حريه رأي.
وتابعت: إنني أعمل في المجال الصحافي منذ ثلاثة وعشرين عاما ولم أسمع ولو مرة واحدة أن حرية الرأي تقوم على مهاجمة مقدسات الآخرين أو النيل من معتقداتهم. النقد البناء يقوم على إبراز السلبيات وتسليط الضوء عليها، ووضع الحلول لمعالجتها هذا ما أعرفه.
وتطلع إليّ باهتمام قائلا: وما الأسلوب الأمثل من وجهة نظرك للرد على هؤلاء؟
قلت: من وجهة نظري الخاصة يكون الرد بمقاطعة بضائعهم ومنتجاتهم، ولكن للأسف يا عزيزي نحن نستورد منهم كل شيء حتى العادات والتقاليد السيئة، وكأنهم عقدوا صفقة معنا، قال: كيف؟ قلت: هم يأخذون منا كل ما هو حسن ويصدرون إلينا كل ما هو قبيح من عادات وتقاليد وصفات مذمومة وكأننا نمتح من بئر مياههم الآسنة.
وأوضحت: هم يحبون عملهم ويتقنونه، بل ويتفانون فيه ويشجعون العلماء والمخترعين والمبتكرين في كل المجالات وهذا ما يحثنا عليه ديننا الحنيف، ويصدرون الينا المجون والخلاعة وسيئ الأخلاق وقبيحها ونحن نقبل ذلك بل ونُقبل عليه بكل أريحية ورضا نفس وتطلع للمزيد.
وتطلعت إلى وجهه فوجدته ينظر إلى بريبة، وقسمات وجهه تكاد تنطق بسؤال، تكلم يا صديقي ماذا يعتمل بداخلك؟
قلتها محاولا استخراج مكنون سره، رد والتجهم يملأ وجهه: إن الغربيين تقدموا عندما اخرجوا الدين من دائرة اهتماماتهم، واتجهوا للعلم، والعلم فقط هو الذي جعلهم في مصاف الدول المتقدمة والشعوب المتحضرة.
فندت مني ابتسامة ساخرة وقلت: وهل يوجد تعارض بين الدين والعلم؟
قال: نعم والدليل أننا نحن الشرقيين مازلنا متخلفين عن ركب الحضارة، والغربيون في رأس هرم التحضر والمدنية.
قلت: يا صديقي العزيز انظر إلى جل آيات القرآن الكريم إنها كلها تحض على النظر والتفكر في الكون والتأمل وهذه أولى الخطوات نحو انتحاء المنحى العلمي ورحت أسرد على سمعه بعض الآيات التي تحض على التفكر والتدبر.
وأردفت: إننا نحن المتكاسلون، نحن الشرقيين نركن لما يصدره إلينا غيرنا ونأخذه بقوة دون أن نفكر حتى في محتواه، أو قل دون أن تأخذنا الغيرة ونحاول أن نقلدهم، أما ديننا فهو يطهر كل شيء فينا، لا أقول يطهر أبداننا فقط ولكنه يطهر أنفسنا من الغش والمكر والخديعة والرياء والنفاق، ويطهر ضمائرنا ويجعلها قيّمة على تنفيذ أحكامه وشرائعه، هل رأيت دينا أعظم من هذا. أما الغربيون الذين تتباهى بأنهم أخرجوا الدين من دائرتهم فانظر مثلا إلى علاقاتهم الأسرية أليست مقطعة الصلات مفككة الروابط ليس ثمة ما يجمع بينها. وحتى على مستوى علاقاتهم بالآخر ألست ترى أنهم مخادعون يضطهدون المخالف لهم بدم بارد، وهذا مدون في تاريخ الأوروبيين القديم والحديث، واستطردت خذ مثلا محاكم التفتيش في العصور الوسطى، بعد سقوط الخلافة في الاندلس وما تلا تلك الفترة من أحداث دامية للتخلص من آثار الاسلام والمسلمين في الاندلس، وحتى فرنسا التي غضبت لما حدث فيها لديهم قانون يمنع المرأة من ارتداء الحجاب في العمل، أليس هذا اضطهادا؟
نظر إلى خلسة وقال هذا بلدهم وهذه قوانينهم وهم أحرار، رددت ممتعضا أحرار كيف ذلك أحرار في اضطهاد غيرهم من الاقلية المستضعفة؟
وجادلني صاحبي وكأنه من الأرأيتيين قائلا: أليس في الاسلام ما يسمى الجزية؟ أليس هذا اضطهادا وظلما لأهل الكتاب؟
فعلت وجهي ابتسامة عطف وشفقة على هذا الذي لم يفهم دينه حق الفهم وقلت: ان الجزية فرضت على أهل الكتاب لأن الإسلام كان يفرض الزكاة على المسلمين وهم كانوا جزءا من المجتمع الاسلامي آنذاك، وكان الخلفاء يرفعون هذه الجزية عن الضعفاء والأيتام والمستضعفين من الكتابيين أرأيت رحمة الإسلام بهؤلاء القوم.
وتأملت تعابير وجهه فإذا بعض آيات عدم الرضا تكسو قسمات وجهه، وكأنه لم يقتنع بما قلت سلفا، فلم أشأ أن أجادله أكثر من ذلك، ودعوت الله له بالهداية ورددت في نفسي قوله تعالى (لكم دينكم ولي دين).