Note: English translation is not 100% accurate
تقرير إخباري
النتائج والاستنتاجات .. والسياسة الخارجية والعلاقات مع دول المنطقة
«تركيا الجديدة» بعد الانتخابات: خيارات أردوغان والاحتمالات الحكومية
20 يونيو 2015
المصدر : بيروت ـ خاص
تركيا أمام انقلاب سياسي كبير ومشهد جديد في تاريخها يمهد لتغيير المعادلات داخليا وخارجيا.هكذا يمكن وصف المشهد التركي، فحزب العدالة والتنمية الحاكم، خاض أصعب منافسة له سعى فيها للبقاء في صدارة المشهد السياسي، ليس فقط كأغلبية، بل كطرف سياسي يسعى لتغيير الدستور وتعزيز سلطات الرئيس التركي أرودغان. لكن المعركة التي انتهت بتصدر الحزب الحاكم، لم تظهر حجم تراجعه الشعبي فقط، بل رسخت لواقع سياسي جديد يقوض سلطات الطموح الأردوغاني، ويعيد خلط الأوراق ورسم الخارطة الحزبية السياسية.
أولا: قراءة سياسية في النتائج والواقع الجديد:
1- نتائج الانتخابات البرلمانية التركية شكلت ضربة كبيرة لتطلعات أردوغان في الانتقال من النظام البرلماني إلى نظام رئاسي يتوجه «سلطانا» في قصره الأبيض، والأهم أنها كانت خطوة لدخول مرحلة ترميم الدولة، التي كانت تسير وفق معيار «الرجل الواحد الحزب الواحد»، ويحتاج «العدالة والتنمية» إلى وقت ليستوعب زلزال الانتخابات، وليدرك أنه لم يكن مجرد فشل عابر يمكن له أن يتجاوزه بسهولة.والثابت أن تداعيات النتائج السلبية لحزب العدالة والتنمية لن تتوقف عند تغييرات المشهد الحزبي لجهة عدد المقاعد البرلمانية وصعود الحزب الكردي بل ستطول حزب العدالة والتنمية من الداخل، خاصة في ظل تزايد موجة انتقادات داخل الحزب لإدارة حكم أردوغان وتدخله حتى في أدق التفاصيل وبعد استقالته من الحزب عقب تسلم رئاسة الجمهورية كما هو منصوص دستوريا.وهذا يعني أن تركيا دخلت مرحلة جديدة وربما تركيا جديدة ولكنها بالتأكيد ليست تلك التي خطط لها أردوغان وتطلع إلى تحقيقها بحلول عام 2023 أي في الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية التركية.
2- المفاجأة التي حققها أكراد تركيا بتخطيهم العتبة الانتخابية المحددة بـ 10% وحصولهم على قرابة 13% من مجموع أصوات الناخبين (80 مقعدا في البرلمان)، ستغير حجم الحضور الكردي في المعادلات التركية.فقد بات الأكراد يشكلون قوة مؤثرة سياسيا ودستوريا لا يمكن تجاهلها في مجمل الحياة التركية، خاصة أن الحزب بات ممثلا شرعيا للأكراد في تركيا، بل بدأت زعامة الأكراد الجديدة بقيادة صلاح الدين دميرتاش تتطلع إلى قيادة تركيا في المرحلة القادمة.لقد أعطت نتائج الانتخابات حافزا للأكراد في الإصرار على نيل مطالبهم القومية المتمثلة في اعتراف رسمي بهويتهم القومية وإقرار حكم محلي يتيح لهم نوعا من الإدارة الذاتية، كما أنها أعطتهم جرعة كبيرة من الثقة بأهمية نضالهم السلمي والسياسي ونقل صراعهم المزمن مع الدولة التركية من الطابع العسكري إلى الخيار السياسي تحت قبة مجلس البرلمان ومد اليد للقوى السياسية التركية بما في ذلك القومية لتحقيق تطلعاتهم بعد أن أكدت التجربة التاريخية عقم الخيار العسكري في تحقيق ذلك. كما أن هذه النتيجة تعطيهم فرصة لفرض آرائهم السياسية، وبالتالي فإن ذلك قد ينعكس على حضورهم الإقليمي أيضا في حال استطاعت حركتهم السياسية أن تكون مؤثرة، ما سيؤدي للعب الأكراد دورا فاعلا في المعادلات الإقليمية المقبلة. من دون شك مع هذه النتائج والتي فاجأت كثيرين أدخلت القضية الكردية في تركيا مرحلة جديدة، وبات لزاما على أي رئيس أو حزب حاكم أو حكومة ائتلافية التعامل معها وفق قواعد جديدة، إذ إن نسبة التصويت الكبيرة للحزب الكردي تكشف عن أهمية إيجاد حل سياسي للقضية الكردية، حل يعترف بالهوية القومية للأكراد ويحقق الاستقرار لتركيا.
3 - الانتخابات التركية دليل على قوة ومقدرة الديموقراطية التركية على تصحيح المسار من خلال انتخابات حرة ونزيهة. والمزاعم القديمة بأن الجيش وحده يمتلك المقدرة على وقف انحراف البلاد عن الطريق الصحيح أو سقوطها في هوة التطرف، ليست إلا مزاعم صورية في الحالة التركية.
4- عكست الانتخابات التركية صورة دقيقة للواقع الداخلي في البلاد بوصفه مجتمعا متنوعا بطوائف إثنية ودينية متعددة ومختلفة مع مجموعة غنية من التنوع السياسي.لقد رفض الأتراك أسطورة الشرق الأوسط القديمة التي تساوي الوحدة الوطنية بالهيئة الرئاسية.
5- أنهت الانتخابات الجديدة الاستقطاب العلماني الإسلامي، وبالتالي فقد تحولت الأمور إلى واقع جديد سيدور حوله الصراع السياسي في تركيا، بين اليسار واليمين وبين الأكراد والأقليات العرقية والطائفية من جهة والأتراك الموالين لحزب «العدالة والتنمية» وحزب «الحركة القومية» من ناحية أخرى.
6 - ما أفضت إليه الانتخابات يؤسس لواقع جديد على الصعيد السياسي الداخلي في تركيا سيؤثر حتما على السياسات الخارجية لأنقرة. وإذا اتفقت الأطراف المعارضة على الاتحاد، فإن ذلك سيجعل الأثر السياسي أكبر لها، ما سيعوق سياسات الحزب الحاكم بشكل كبير داخليا وخارجيا.
ثانيا: الاحتمالات والسيناريوهات الحكومية:
صحيح أن حزب أردوغان ومشروعه خسرا في هذه الانتخابات، لكن المؤكد أيضا، أقله حتى اللحظة الراهنة، أن أحدا لم يفز فيها تماما.. لذلك فإن تركيا على أعتاب مرحلة سياسية جديدة وتقف أمام احتمالات صعبة، وأمام مفاوضات شاقة لتشكيل حكومة مستقرة. وبانتظار أن تتكثف المشاورات والاصطفافات السياسية خلال الأسابيع الخمسة المقبلة، تبدو تركيا أمام واحد من ثلاثة سيناريوهات:
1 - ائتلاف حكومي يضم حزب العدالة والتنمية والحركة القومية، وهو ما يفرض على أردوغان تقديم تنازلات في مشروعه لحل المسألة الكردية، وستغدو المسألة الكردية ومعها مستقبل العلمنة خارج الحسابات، وهذا سيعني مزيدا من الاضطرابات.. وفي السياسة الخارجية، ولا سيما إزاء القضايا الإقليمية وعلى رأسها السياسة التركية إزاء سورية، الى جانب الموقف المتعارض من عملية السلام مع «حزب العمال الكردستاني»، إذ من المعروف أن حزب الحركة القومية رفع في حملته الانتخابية شعار إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم ووقف تسلل الإرهابيين إلى سورية، وإجراء اتصالات مع الحكومة السورية وتحديدا مع الرئيس بشار الأسد. كما يعارض أنصار الحركة القومية المفاوضات مع حزب العمال الكردستاني. فإما أن يتخلى حزب العدالة والتنمية عن سياسته الحالية وإما أن يتخلى حزب الحركة القومية عن شعاراته.
2- تحالف واسع من الأحزاب المعارضة الثلاثة: إذا لم يستطع رئيس الوزراء وزعيم الحزب أحمد داود أوغلو أن يشكل حكومة مستقرة فإن العرف في تركيا جرى على أن أردوغان قد يطلب من ثاني أكبر حزب في البرلمان وهو حزب الشعب الجمهوري العلماني أن يقوم بذلك. إلا أنه أمر مستبعد تماما بسبب طبيعة العلاقة التنافرية بين الحركة القومية والحزب الكردي، ومن غير المرجح أن ينحي حزب الحركة القومية وحزب الشعوب الديموقراطي الخلافات الجذرية بينهما.
3- الدعوة الى انتخابات مبكرة: وهو خيار قد يلجأ إليه اردوغان في حال لم يتم تشكيل ائتلاف فعال أو فشلت حكومة أقلية في الفوز باقتراع على الثقة خلال 45 يوما، والدستور منح أردوغان سلطة الدعوة لإجراء انتخابات برلمانية مبكرة. وسيتعين إجراء هذه الانتخابات بعد الدعوة لها بتسعين يوما، ما قد يعني المزيد من القلق اقتصاديا وسياسيا. وذلك سيحدث في ظل حروب كبيرة وصغيرة تحيط بتركيا، ولا تستطيع تركيا أن تعزل نفسها عنها. ويبدو أن مرحلة من تبادل تحميل المسؤولية بدأت بين كل الأطراف، تحسبا لاحتمال اللجوء الى انتخابات مبكرة في اكتوبر أو نوفمبر المقبلين على أبعد تقدير، خصوصا أن الناخب سيحاسب حينها الطرف الذي سيعتقد بأنه وقف في طريق تشكيل تلك الحكومة.
هناك أزمة تلوح في الأفق التركي سيرافقها تعب اقتصادي، إذا طالت ستضر أكثر بأردوغان، وهناك تحديات على المديين القصير والبعيد بالنسبة إلى الديموقراطية في تركيا، وليس واضحا ما إذا كانت النتائج ستعجل بإيجاد تسوية للمسألة الكردية، وتحقيق سلام دائم في تركيا، وذلك لأسباب كثيرة أهمها أن الحزب القومي التركي حصل على مقاعد إضافية، وقد يظل حزب العدالة والتنمية يحاول شده لحكومة ائتلافية، ثم هناك الأوضاع الإقليمية المحفوفة بالمخاطر، رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارازاني هنأ أكراد تركيا، ثم هناك أكراد سورية والتوتر مع حزب العمال الكردستاني، وليس معروفا إذا ما استمر عبدالله أوغلان في العملية السلمية. ثالثا: السياسة والعلاقات والخارجية: من المبكر الحديث عن شكل التغيير في سياسة تركيا الخارجية بعد الانتخابات، فالأتراك منشغلون اليوم بترتيب البيت الداخلي، وأي تغيير في السياسة الخارجية لن يظهر في المستقبل القريب خصوصا أن هذا كله مرتبط بشكل الحكومة المقبلة. لكن بالتأكيد نتائج الانتخابات ستلقي بظلالها على السياسة الخارجية التركية.
وفي انتظار وضوح صورة الحكومة التركية المرتقبة، يمكن رسم الصورة التالية:
1- نتائج الانتخابات ستدفع أردوغان إلى إعادة النظر في حساباته الإقليمية وعلاقاته مع القوى الإقليمية الصاعدة، بما ينسجم مع الظروف المستجدة التي حملتها نتائج الانتخابات.ومن المؤكد أن السياسة الخارجية التركية ستحاول أن تتكيف مع المعطيات الجديدة للتوفيق بين آراء القوى السياسية المتنوعة التي لا تشاطر العدالة والتنمية في اختياراته الخارجية، خصوصا فيما يتعلق بالقضايا العربية (الشأن السوري والفلسطيني والمصري).. ومن المؤكد أن الدور الإقليمي لتركيا بما يخدم القضايا العربية سينكمش لفائدة النظرة الإقليمية في المرحلة القادمة.
2- سياسة الحكومة التركية ما بعد الانتخابات ستكون أقل ارتباطا برؤية العدالة والتنمية والتي تتمثل في جعل تركيا لاعبا إقليميا قويا بأي ثمن. وما أفرزته الانتخابات سيخفف من حدة السياسة المعادية للنظام السوري لأن الحكومة الجديدة لن تكون قادرة على تنفيذ أجندة أردوغان وحدها. فسياسة تركيا تجاه سورية في السنوات السابقة والتي تجلت في دعم الجماعات المسلحة ضد الحكومة السورية تعتبر غريبة عن الشارع التركي. كما أنها أثبتت فشلها، حيث إن الرئيس الأسد مازال موجودا في السلطة رغم هذا الدعم.
3 - تحتاج تركيا إلى إصلاح علاقاتها مع حلفائها في منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) ومع شركائها التقليديين في منطقة الشرق الأوسط، وخصوصا الدول العربية.وإحدى الخطوات المقترحة في ذلك الاتجاه هي تنسيق السياسات المتعلقة بسورية والعراق، وتبني موقف أكثر مسؤولية ومبدئية فيما يخص الطموحات النووية الإيرانية، وحالة استعراض العضلات الروسية في جوارها القريب.
4 - فشل حزب العدالة والتنمية في تحقيق الأغلبية في البرلمان سيدفع أردوغان إلى تعميق تعاونه مع إيران التي تعتبر الموازن والمنافس الاستراتيجي لتركيا، لأن من مصلحته التنسيق مع منافسه في المنطقة والحصول على المصالح المشتركة بينهما. وفي ضوء ملابسات علاقة تركيا بالمملكة العربية السعودية وبقية دول الخليج على خلفية دعم «الإخوان المسلمين» ومعارضة التغيير الذي حصل في مصر، يمكن للعلاقات الإيرانية التركية حل العديد من الملفات الإقليمية بما في ذلك الأزمة السورية.
5 - من الممكن أن يعاد طرح إعادة العلاقات مع مصر عبر طاولة البحث بعد تدهورها بشكل كبير على خلفية دعم تركيا لحكم الإخوان ومعارضتها بشدة وصول الرئيس عبدالفتاح السيسي للحكم. وأيضا إعادة تقييم موقف تركيا من العلاقة مع السعودية والتي شهدت نوعا من التقارب بعد تسلم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز الحكم وتأييد أردوغان عمليات «عاصفة الحزم» على اليمن.
6 - في القضايا الأساسية للشرق الأوسط: تكاد تكون الأحزاب الثلاثة معارضة في مواقفها لتوجهات حزب العدالة والتنمية الأساسية في الشرق الأوسط بدرجات متفاوتة. التناقض كبير وملحوظ خاصة بين حزب العدالة، وحزب الشعب الجمهوري سواء في سورية أو مصر أو في العراق وغيرها من الملفات.
7 - من المستبعد أن تشهد الفترة المقبلة تغييرا جذريا في علاقات تركيا مع الولايات المتحدة، فأميركا ستبقى أهم شريك أمني استراتيجي لتركيا، وستكون بينهما حالات مد وجزر، ولكنهما ستعودان دائما إلى المربع الأول. أما في السعي للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فلا يوجد خلاف حول أهمية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. أما بالنسبة للقضية القبرصية، فثمة خلاف بين من يدعم المفاوضات برعاية الأمم المتحدة لتوحيد الجزيرة، وبين من يدعو إلى الضغط تجاه الاعتراف باستقلال شمال قبرص إذا فشلت المفاوضات، وبين من يرى أن الحل يكمن في شراكة بين أمتين أو دولتين أو يرفض أن تكون القضية شرطا لدخول تركيا للاتحاد الأوروبي.
عموما، حتى في حالة الحكومات الائتلافية، فإن مدى التغيير سيعتمد على هوية الحليف الحكومي، ولكن لن يكون هناك في المحصلة تغيير جذري بسبب بقاء حزب العدالة والتنمية في المعادلة إلى جانب رئيس الجمهورية، إضافة الى أنه في حال فشل تشكيل حكومة واللجوء الى الانتخابات المبكرة، فالتأثير سيكون أيضا مغايرا لناحية التوقيت، بمعنى أن انتخابات حكومية في غضون ستة أشهر أو سنة لن تتغير كثيرا في المشهد، ولكنها بالضرورة ستعني تعليق القضايا المهمة بانتظار إتمام الاستحقاق الداخلي، وهذا يعني أن المشاريع الكبرى خارجيا ستعلق أو سيتم إبطاؤها.