Note: English translation is not 100% accurate
خواطر
القرآن والسلطان.. بقلم: د. عجيل النشمي
7 أغسطس 2015
المصدر : الأنباء
د. عجيل النشمي
إن الراصد لجهود الفقهاء والعلماء ـ من خلال المجامع الفقهية والندوات العلمية التخصصية ـ يدرك ويقدر ان هذه الجهود قد قاربت على سدّ الفجوة الحضارية التي أورثها تعطيل الشريعة الإسلامية، وإحلال القوانين الوضعية مكانها، فما من قضية اليوم ـ والحمد لله: طبية أو مالية أو اقتصادية أو محاسبية، في الزكاة، أو المعاملات البنكية، أو غيرها، إلا وقد بحثها الفقهاء والمختصون، وكشفوا عن حكم الشرع فيها، وقدموا البدائل كلما احتيج اليها، حتى لا يعدو المسلم صواب القول بأن العلماء والفقهاء قد أدوا واجبهم أو كادوا، ولعلهم قد أعذروا الى الله بما بذلوا من أسباب، ولو ان جهودهم ونتاج أبحاثهم واكبه سلطان التنفيذ لكان شأن الأمة الإسلامية اليوم غير ما هي عليه، لاجتماع القرآن والسلطان، وإن الله ليزع باجتماعهما ما لا يزعه بأحدهما.
والتاريخ خير شاهد على ان اجتماعهما كان سبب حضارة، عزة، وريادة الدنيا بأسرها، فالعلماء يقومون بواجبهم، والحكام يتحملون مسؤوليتهم ومهمتهم، وهي مهمة الأنبياء، قال الماوردي: «إن الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا»، واجتماعهما ينتج معادلة إيمانية ثابتة، ومعادلة تاريخية مطردة وهي: ان الأمن بالإيمان، والحضارة بالقرآن، وسوى ذلك هو عيش الضنك المتوعد به من الله تعالى: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى ـ طه: 124).
إن فريضة الزكاة من ذكر الله، وإن أحكام الشرع كلها ـ فريضة ونافلة ـ من ذكر الله.
ولا شك في ان كل مسلم ومسلمة يفرح كلما طبق حكم من أحكام ديننا الحنيف، كتطبيق فريضة الزكاة ـ على مستوى الدولة والأمة ـ أو بعض المعاملات المالية الإسلامية، ولكن فرح النصر المبين يوم تطبيق الشريعة كاملة، وإن شاء الله يكون ذلك قريبا (في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ـ الروم:4).
إن شريعة الله شاملة كاملة، فلا يصح القول بتطبيق الشريعة حتى يكون ذلك شاملا الأحكام، المدنية والجنائية، والاقتصادية، وغيرها.
ولا يكفي تطبيق الأحكام المدنية أو الجنائية أو هما معا دون الجوانب الاقتصادية بخاصة.
آه ثم آه من هذه الصروح: صروح الربا الضخمة الشاملة! تعلن الحرب على الله ـ تعالى ـ وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم! وتؤذي الله وتؤذي رسوله! ألا يخشى أولئك من إيذان الله لهم بالحرب إن لم ينتهوا (فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ـ البقرة: 279).
ألا يخشى أولئك من إيذاء الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أن يحل بهم وعيده: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا ـ الأحزاب: 57).
وإن من تمام النصح أن نقول: إن تطبيق شمول الشريعة لا يعني فورية التطبيق في كل شأن مع عدم أخذ الواقع بالاعتبار، فإن ذلك ما لا يقوله من يريد الإصلاح، فإن مما لا ريب فيه: ان الاستبدال الفوري ـ وبخاصة في الجوانب الاقتصادية ـ يحقق ضررا يقينيا، ويورث مفاسد اقتصادية عامة، قد تكون مدمرة، وإن من قواعد ديننا: أن «الضرر يزال»، وان «الضرر لا يزال بالضرر»، وان «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح» فلا بد من التدرج إذ التدرج منهج النبي صلى الله عليه وسلم في التغيير: في تغيير الأفراد، أو تغيير النظم الأسرية، والاجتماعية، والتربوية، والاقتصادية، وغيرها.
وهذا هو الرفق الذي لا يكون في شيء إلا زانه، فلم يطبق النبي صلى الله عليه وسلم سائر الأحكام رغم تمكنه من القوة وقيام الدولة، فتحريم الربا نهائيا تم بعد تسع سنوات، والخمر تدرج حكمها حتى حرمت بعد ثماني سنوات، والأحكام الجنائية لم تكتمل إلا بعد ثماني سنوات، وأحكام الأسرة والمجتمع لم تكتمل إلا بعد سبع سنوات، وكل هذه السنوات بعد الهجرة، اي بعد ثلاث عشرة سنة.
وهذا دليل على ان الناس إذا ما ألفوا أمرا ـ ولو باطلا ـ يصعب إقلاعهم عنه مرة واحدة، فلا يؤخذون جملة، بل يؤخذون شيئا فشيئا.
فهذا عمر بن عبدالعزيز الخليفة الخامس رضي الله عنه لما أراد أن يعيد سيرة الخلفاء الراشدين في العدل، وأراد ان يأخذ الناس بالتدرج واللين فأنكر عليه ابنه وقال: «مالك يا أبت، لا تنفذ الأمور؟! فوالله ما أبالي لو ان القدور غلت بي وبك في الحق» فقال الخليفة الفقيه: «لا تعجل يا بني، فإن الله ذم الخمر في القرآن مرتين، وحرمها في الثالثة، وإني أخاف أن أحمل الناس على الحق جملة فيدعوه جملة، فيكون في ذا فتنة».
وإن منهج ديننا يحتمل قبول هذه الصروح وغيرها من الوقائع المصادمة للنصوص القطعية، إذ وضعت في خطة مرسومة متأنية للتغيير وإحلال البدائل ولو طالت السنون، فنعايش المنكر بأقل درجات التغيير
وهو: الإنكار والبغض بالقلب، حتى
يتم التغيير المنشود دون إحداث
مفاسد تذكر.
وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.