Note: English translation is not 100% accurate
تحليل إخباري
نتنياهو خسر «معركة الكونغرس» مع أوباما.. وإسرائيل تنتقل إلى «مرحلة ما بعد الاتفاق النووي»
13 سبتمبر 2015
المصدر : بيروت
ازدادت المواجهة المستدامة بين الرئيس الأميركي باراك أوباما ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو وضوحا وشراسة بعد توقيع القوى الست الكبرى الاتفاق النووي مع إيران. وتكتسب هذه المواجهة بعدين اساسيين، هما:
البعد الأول سياسي- استراتيجي، ويتصل بالاتفاق النووي والاختلاف الحاصل في تقييمه وقراءة نتائجه ومفاعيله.
فمن جانبها، اعتبرت حكومة نتنياهو الاتفاق «سيئا» و«خطأ تاريخيا»، حيث تركز رفضها للاتفاق على ثلاث نقاط:
٭ الاتفاق يتيح لإيران توسيع بنية تحتية هائلة والاحتفاظ بها وهي لا تحتاجها أبدا لأغراض مدنية لكنها ضرورية جدا لإنتاج أسلحة نووية.
٭ رفع العقوبات عن طهران يعني تلقيها مئات المليارات من الدولارات التي ستستخدمها في تمويل نفوذها وسياستها التوسعية في المنطقة، ويعني أيضا أنها ستصبح أغنى وأقوى عسكريا.
٭ إيران لن تتغير وبموجب هذا الاتفاق ستكون قادرة على تحقيق أهدافها المزدوجة المتمثلة في التخلص من العقوبات مع الاحتفاظ في النهاية بقدراتها النووية وغير النووية.
وفي المقابل، ترى إدارة أوباما أن هذا الاتفاق هو الخيار الوحيد المتاح للجم برنامج إيران النووي ومنعها من إنتاج السلاح النووي أقله حتى عشر سنوات، وأن البديل عن هذا الاتفاق هو الذهاب الى الحرب.
ـ اما البعد الثاني للمواجهة بين اوباما ونتنياهو، فهو «شخصي مباشر» يتعلق بتصفية حساب متراكم بين الطرفين وبمسار تصادمي بدأ منذ سنوات مع مواقف أوباما الرافضة لسياسة البناء في المستوطنات والداعمة لاستئناف المفاوضات مع الفلسطينيين على أساس حل الدولتين، وازدادت الأمور حدة عندما دعم نتنياهو علنا المرشح الجمهوري في الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة، الأمر الذي اعتبره أوباما تدخلا في السياسة الأميركية. كما اتهم نتنياهو أوباما بدعم زعيم المعسكر المعارض اسحق هرتسوغ ضده في الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة.
وبعد الاتفاق النووي وصلت المواجهة بين أوباما ونتنياهو الى الكونغرس الأميركي وتمحورت في سعي كل منهما للحصول على دعم الكونغرس لدى تصويته على الاتفاق النووي.
وفي هذا الصدد، كانت حسابات نتنياهو تقوم على اساس أن التصويت ضد الاتفاق في الكونغرس سيحصل ليس في المرحلة الأولى وإنما في مرحلة ما بعد استخدام أوباما حق «الفيتو» متوقعا أن يرد الإيرانيون على التصويت الأميركي الرافض بالمثل ومن ثم سقوط الاتفاق النووي كليا.
ولكن تأمين أغلبية الثلثين في مجلس الشيوخ في مرحلة ما بعد استخدام الفيتو الرئاسي سيكون أمرا صعبا لا بل مستحيلا، فالمعركة الفعلية والحقيقية تتمحور على قدرة الجمهوريين على نقض «الفيتو» الرئاسي، وهو أمر يتطلب جذب عدد من الديموقراطيين لضمان تصويت مجلسي الكونغرس (الشيوخ والنواب) بأكثرية الثلثين لإبطال فيتو اوباما.
وهذه المهمة باتت مستحيلة الآن، بعدما نجح أوباما في حشد تأييد كاف في صفوف نواب حزبه ما يحول دون تشكل «كتلة الثلثين»... وهكذا تنتهي المعركة النتيجة مفادها:
٭ نتنياهو يربح معنويا لأن تصويت الكونغرس ضد الاتفاق سيكون بمنزلة رسالة مدوية الى العالم تقول إن ممثلي الشعب الأميركي يرفضون الاتفاق الذي وقعه رئيسهم الذي حتى لو نجح في منع الجمهوريين من إلغاء الفيتو الرئاسي فإن فوزه سيكون واهيا.
٭ نتنياهو يخسر ويفشل عمليا إذا لم ينجح الكونغرس في جمع ما يكفي من الأصوات للتغلب على الفيتو الرئاسي.
وبالفعل بدأ نتنياهو يتلقى تبعات الفشل والخسارة: فهو لم يخسر فقط التصويت في الكونغرس وإنما خسر البيت الأبيض ودعمه، وخسر أيضا دعم الجالية اليهودية الأميركية، وألحق أضرارا و«ندوبا» بالعلاقات الأميركية- الإسرائيلية.
إلا ان خصوم نتنياهو يقولون له: لا يكفي أنك خضت مغامرة خطيرة في فتح معركة مع الرئيس الأميركي، ولا يكفي أنك فشلت في إدارة المعركة ضد الاتفاق، فها أنت تواصل الفشل لتضرب العلاقة مع واشنطن.
وفي الواقع فقد احتدم السجال داخل إسرائيل حول المكاسب والأضرار من الحرب التي يخوضها نتنياهو ضد الإدارة الأميركية بشأن الاتفاق النووي، ويشعر كثيرون بأنها حرب خاسرة وأن نتنياهو سيعود بخفي حنين: فلا هو أسقط الاتفاق ولا حقق لإسرائيل المكاسب التي كان يمكن أن تنالها فيما لو أنها قبلت بالعروض السخية لتعويضها عن الاتفاق. فهناك قناعة راسخة بأن عروض ما قبل قرار الكونغرس ستكون بالحد الأقصى في حين أن تعويضات وعروض ما بعد القرار ستكون بالحد الأدنى.
الموقف في إسرائيل
يتمحور الموقف في إسرائيل، وتحديدا لدى معارضي نتنياهو، حول أمرين رئيسيين، هما:
- الأمر الأول: أن نتنياهو ألحق الأذى بالعلاقات مع الولايات المتحدة وأغضب أوباما واضطره الى الإدلاء بانتقادات لاذعة ضد إسرائيل، ووصل الى حد قوله إن إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي تعارض الاتفاق مع إيران. وإن الذين دفعوا بالولايات المتحدة الى الحرب في العراق هم الذين يدفعونها اليوم للحرب مع إيران.واعتبر مراقبون إسرائيليون تصريح اوباما هذا خطيرا، لأنه يثبت التهمة الرائجة عن اليهود الأميركيين بأنهم هم الذين دفعوا الى التورط الأميركي الحربي في العراق.وقالوا هؤلاء إن: «هذا ليس افتراء عاديا.إنه أخطر اتهام يوجهه رئيس أميركي لليهود الأميركيين في التاريخ».
وفي السياق ذاته، قال اوباما خلال اجتماعه مع مجموعة جديدة من قادة اليهود الأميركيين، وبينهم عدد من قادة مجلس العلاقات الأميركية- الاسرائيلية «إيباك»، إن «الحملة التي يديرها اللوبي الإسرائيلي تنطوي على الكثير من الأكاذيب».
وأضاف أنه «لا يعارض حملات معارضة ضد مواقفه، لكنه لا يطيق أسلوب الكذب والتهويل الذي يستخدمه اللوبي مثلما يفعل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو».
وكان أوباما قال خلال مقابلة مع شبكة «سي إن إن» الاخبارية الأميركية إن «نتنياهو يتدخل في الشؤون السياسية الداخلية بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ الولايات المتحدة».
ومن الواضح أن هناك من يؤمن بأن نتنياهو ألحق الضرر ليس فقط بعلاقات إسرائيل مع الإدارة الأميركية وإنما أيضا بعلاقاتها مع يهود أميركا. صحيح أن قسما كبيرا من المنظمات اليهودية، وعلى رأسها «إيباك»، وقف ثابتا إلى جانب إسرائيل لكن الجمهور اليهودي في أميركا كان له موقف مختلف بعض الشيء.فهم لا يريدون أن يظهروا أمام باقي الأميركيين وكأنهم أشد ولاء لإسرائيل من أميركا نفسها في مسألة تهم الأمن القومي الأميركي بدرجة عالية.
ـ الأمر الثاني: أن إسرائيل، بعد انتهاء معركة الاتفاق النووي على الساحة الأميركية والتي نجحت في الشارع وعلى مستوى الرأي العام ولكنها اصطدمت بماكينة سياسة الإدارة الأميركية القوية، لم يعد أمامها إلا الانتقال الى مرحلة ما بعد الاتفاق النووي والتعامل مع واقع جديد في المنطقة لتحصيل ما يمكن تحصيله من تعويضات أميركية عسكرية واقتصادية، وما إذا كان أوباما سيعاقب نتنياهو أم لا، فإنه ليس في وارد أن يعاقب إسرائيل التي عليها تلقف عروضه السخية في مجال تعزيز الدعم لإبقاء التفوق العسكري النوعي لإسرائيل في المنطقة ولإبقاء إسرائيل جزءا من الأمن القومي الأميركي، فقد حان الوقت لترميم العلاقات مع إدارة أوباما.
وهناك من يرى في إسرائيل أن حكومة نتنياهو لا تمانع في اعتبار الاتفاق النووي مع إيران أمرا واقعا، لكنها تمني النفس بأن استمرار المعارضة يبقي المراقبة لإيران في أعلى درجاتها، فإسرائيل التي رأت في إيران، على الأقل في السنوات القليلة الماضية، العدو رقم واحد ليس فقط بسبب مشروعها النووي وإنما أيضا بسبب دعمها لفصائل عربية مقاومة سواء في لبنان أو فلسطين، معنية بإبقاء الأنظار مسلطة على إيران. وهناك من يؤمن بأن إسرائيل معنية بالتركيز على إيران في سياق استراتيجي آخر وهو إيجاد أرضية لعلاقات أوضح مع دول عربية، تنظر إلى إيران بمنطق العداء.ففي إسرائيل مدرسة متكاملة تنتمي لمعسكر اليمين ترى أن أميركا تضعف، بشكل متدرج، دورها العالمي ما يقتضي إعادة بلورة تحالفات إقليمية ودولية على أسس جديدة. وتخشى هذه المدرسة أساسا من اتفاق قوى دولية بينها الصين وروسيا على محاولة ملء الفراغ في الشرق الأوسط، خصوصا عبر تعزيز العلاقات مع قوى راديكالية معادية لأميركا أو خاب أملها فيها.