Note: English translation is not 100% accurate
لا بد .. بقلم د.يعقوب يوسف الغنيم
14 أكتوبر 2015
المصدر : الأنباء
د.يعقوب يوسف الغنيم
لابد من توضيح! وذلك انني تلقيت أسئلة كثيرة بعد ان قامت جريدة «الأنباء» بنشر قصيدتي «صنعاء» في الأيام القليلة الماضية، فوجدت انني لابد أن أعود لكي أوضح ما تكررت حوله الأسئلة، وهي كلها تتركز على طلب العلم بقائل بيت الشعر الذي بدأت به القصيدة وأعلنت انه لأحد القدماء، ولقد لاحظت ان أقوال المتابعين كانت متعددة، وكانت ـ ايضا ـ متضاربة، لذا فإن من الأفضل ان أقوم بالتوضيح.
إن الشعر الذي ورد فيه الشطر الأول الذي استعنت به في البداية وهو:
لابد من صنعا وإن طال السفر
شعر قديم، قاله قائله في عهد سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد رُويت عن قائله روايات منها، ان أعرابيا أتى عمر فقال: يا أمير المؤمنين، إن أهلي بعيد، واني على ناقة دبراء نقباء، فاحملني، فقال عمر: كذبت والله ما بها نقب ولا دبر، فانطلق الأعرابي، فحل ناقته، ثم استقبل البطحاء، وجعل يقول، وهو يمشي خلف الناقة:
أقسم بالله أبو حفص عمر
ما إنْ بها نقب ولا دبر
اغفر له اللهم إن كان فجر
لابد من صنعا وإن طال السفر
وكان الخليفة مقبلا عليه من أعلى الوادي، فجعل يقول إذا قال الرجل:
اغفر له اللهم إن كان فجر
قال: اللهم صدق، حتى التقيا فأخذ بيده، وقال ضع عن راحلتك، وعندما وضع عنها، فإذا هي كما قال، فحمله عمر على بعير، وزوده بزاد وكساء.
«والشطر الثاني الذي اخترناه سابقا يأتي ضمن ما قاله هذا الأعرابي وقوله: نقب: والنقب هو تلف خف البعير، والدبر: قرحة او اكثر على ظهره، وقوله: احملني: أي اعطني ما يحملني إلى أهلي».
وقد ورد اسم هذا الرجل في كتاب الإصابة في تمييز أسماء الصحابة لابن حجر على انه عبدالله بن كسيبة النهدي، وقال المرزباني في كتابه «معجم الشعراء» أن كسيبة أمه، وهذا هو أقرب ما يكون من الأسماء الى قائل هذه الأبيات، ذلك اننا وجدنا من ينسبها الى أناس لم يكونوا ولدوا وقت ولاية عمر بن الخطاب، فقد ذكروا رؤبة بن الحجاج وذكروا آخرين غيره، ولكن ذلك لا أصل له.
وقد انتشرت عبارة «لابد من صنعا وإن طال السفر» بين الناس حتى صارت مثلا من الأمثال التي يضربونها.
هذا ولابد ان أشير الى ان قوله: «لابد من صنعا وإن طال السفر» لم يكن في المراجع التي عُدت اليها ضمن الأبيات التي قالها في حكايته مع سيدنا عمر بن الخطاب، ولكنني وجدتها أقرب ما تكون اليها فألحقتها بها ولا أظن انني أخطأت في ذلك الاجتهاد.
وقد ذُكرت هذه العبارة مرة على لسان أحمد بن حنبل العالم الجليل المعروف في حكاية نذكرها هنا وهي انه كان في مكة ورغب في المزيد من طلب العلم، فتوجه همه الى صنعاء لأنه علم ان فيها رجلا من كبار العلماء هو الإمام عبدالرزاق الصنعاني، وكان هذا الأخير في مكة آنذاك مما جعل البعض يقول لابن حنبل لقد كُفيت الرحلة، ولكنه صمم على الرحيل لأنه عزم على ان يلقى ذلك العالم في بلده، وقال: «لابد من صنعا وإن طال السفر» فقد تمثل بالقول الدارج آنذاك.
وذكرت هذه العبارة مرة أخرى على لسان الإمام الشافعي وذلك في حادثة مشابهة، فقد خرج لطلب العلم الى بلد بعيد غير صنعاء، ولكنه تمثل بهذا القول المشهور.
وغني عن البيان ان نذكر السبب في استثارة النفس الى كتابة القصيدة التي نشرتها لنا جريدة «الأنباء» فالأحداث الجارية في اليمن تدفع بنا الى التعبير عن المشاعر، وتذكرنا بكل ما مر في كتب التاريخ ودواوين الشعراء ومعاجم البلدان من ذكر لكافة أنحاء هذا البلد العربي.
ونحن وإن كنا أحسسنا بالضيق لموقف الحكومة اليمنية المزالة من قضية الكويت عند احتلالها، فإن هذا لا يمنعنا من الحرص على اليمن باعتباره بلدا يمثل جزءا من تاريخنا العربي، خاصة ونحن نرى تلك الحكومة وهي تقوم الآن بأعمال عدائية ضد أبناء شعبها فتسلط عليهم أدوات الفتك والدمار.
ومما ينشر في الإذاعات المسموعة والمرئية في هذه الأيام عند ذكر أخبار المعارك هناك أسماء الأماكن اليمنية المتعددة التي كان لها وجود في التاريخ العربي.
من ذلك «عدن» التي قاست الأمرّين خلال حرب تحريرها، وهي بلدة ذات شهرة عالية، وكانت الكويت أيام السفر الشراعي على صلة بها، بل لقد كانت فيها مكاتب تجارية افتتحها هناك عدد من رجال الكويت.
وورد ذكرها في شعر الشاعر العربي القديم عمر بن أبي ربيعة، إذ يقول، وكان عند أخواله في عدن ولحج وأبين:
هيهات من أمة الرحمن منزلنا
إذا حللنا بسيف البحر من عدن
وفي آخر الأبيات يقول:
ما أنس لا أنس يوم الخيف موقفها
وموقفي وكلانا ثَم ذو شجن
وقولها للثريا وهي باكية
والدمع منها على الخدين ذو سنن
بالله قولي له في غير معتبةٍ
ماذا أردت بطول المكث في اليمن
إن كنت حاولت دنيا، أو رضيت بها
فما أخذت بترك الحج من ثمن
ومن ذلك ـ ايضا ـ موقع ذكر فيه «صرواح» وقد ذكر هذا المكان ياقوت الحموي في كتابه «معجم البلدان» فقال:
صرواح حصن باليمن (من كلمة صرح) قرب مأرب، يقال انه من بناء سليمان بن داود عليهما السلام، وفيه يقول الشاعر القديم عن سكان ذلك الموقع:
تشتوا على صرواح خمسين حجة
ومأرب صافوا ربعها وتربعوا
أي عاشوا فيها مدة طويلة.
ومما يذكر من بلدان اليمن في هذه الأيام «المخا» وهو موضع بالقرب من عدن، وفيه ميناء كبير يصدر منه البن اليمني في زمن مضى حين كان اليمن ينتج كميات منه، لذا فإن بعض البلدان الأوروبية خاصة ألمانيا تسمي القهوة «موكا» الى اليوم بسبب اسم هذا الميناء الذي كان شهيرا.
ولا نريد ان نكثر من الأمثلة، ولكن ما نريد تأكيده هو ان جميع البلدان التي يمر بنا ذكرها في هذه الأيام من خلال الإذاعات على اختلافها انما هي أسماء لمدن قديمة ذات تاريخ عريق، وهذا ما يدفعنا الى الاهتمام بالحديث عنها والمحافظة عليها كما حافظت هي على أسمائها طوال هذه المدة.
وفي الختام فإننا نأمل في ان يعود الى اليمن أمنه واستقراره، وان تسوده الشرعية التي افتقدها لعدة شهور بسبب هؤلاء الذين تسلطوا عليه وعلى أهله.