Note: English translation is not 100% accurate
رثاء
الشيخ صالح المحمد.. رجل من زمن آخر.. بقلم: الفريق الركن المتقاعد أحمد محمود الرحماني
15 نوفمبر 2015
المصدر : الأنباء

بقلم: الفريق الركن المتقاعد أحمد محمود الرحماني
في الأوطان رجال يحفرون في ذاكرة التاريخ أسماءهم، وتخلد الشعوب مآثرهم، وتسير أجيال على خطاهم. يجهدون أنفسهم في بناء القواعد الصلبة ووضع الأسس الراسخة وترسيم الأطر الواضحة لضمان سلامة البناء وانتظام العمل وديمومة الأداء مع كل ما يتطلبه ذلك من عزم وحزم وإصرار وتصميم وتضحيات. كان المرحوم بإذنه تعالى الشيخ الزعيم صالح المحمد الرجل الذي حمل على عاتقه مع المرحوم الفريق مبارك عبدالله الجابر وزملائهم من الرعيل الأول التصدي لمهمة بناء الجيش الكويتي الحديث على أسس حديثة وقواعد صلبة، ولم يكن لذلك أن يتم لولا الكثير من العمل والحزم والعزم والانتقاء بعيدا عن المجاملات والتسييس والانتفاع.
ليس من السهل رثاء رجل بقامة الشيخ صالح المحمد، كما أنه ليس من السهل تجاوز غيابه دون الوقوف طويلا أمام خلقه الرفيع وشخصيته المهيبة وتاريخه الحافل وسمعته الناصعة. ليس من السهل نسيان مجلسه الكريم ونبرته الهادئة الوقور وفكره النير وفراسته المميزة وإلمامه بالأصول والفروع وتاريخ الرجال والقبائل والأحداث، وأبوته الطاغية ووفائه النادر وغيرته الوطنية ودوره القومي أثناء قيادته للواء اليرموك في مصر فور اندلاع حرب 1967، كان رحمه الله يرى الوطنية كتلة متكاملة من تاريخ ونظام ودستور وقانون والتزام.
حدثني ذات ليلة ظلماء كئيبة خلال الاحتلال الآثم بنبرته الهادئة الوقور سائلا عن الأوضاع وأحوال الناس والوطن والمحتلين، وكان قد غادر الكويت لتوه مرغما بعد فترة من الصمود والانتقال والمتابعة والتواصل، كان ذاك الاتصال الأول الناصح والموجه والملهم كافيا ليشعل فينا جميعا روح التضحية وليذكرنا بقيمنا وتربيتنا العسكرية ودورنا تجاه أهلنا وولائنا لوطننا ونظامنا.
في بواكير شبابنا وبدايات حياتنا العسكرية كان اسم الشيخ صالح أيقونة تشع في زوايا عقولنا ووجداننا لتلهمنا الانضباط والالتزام والاهتمام والاتقان والإحساس الرفيع بالمسؤولية. شخصيته الكارزمية وصرامته وحزمه لم تكن لتسمح بأي انحراف أو خطأ أو خلل. حركته الدائمة وتفقده المستمر كانت قد رسخت في قناعة العسكريين في كل مواقعهم ومعسكراتهم التأهب لاحتمال اتصاله أو ظهوره المفاجئ في أي موقع أو وقت أو ظرف. كان رحمه الله عادلا وقويا في الحق وحازما دون ظلم، كما كانت معايير الرجولة والشجاعة والكفاءة عنده عالية ليس من السهل الوصول إليها، وجوده رسخ في وجدان العسكريين ثقتهم في مؤسستهم العسكرية وإيمانهم بضوابط الأداء ومعايير الإنجاز وقواعد السلوك، لم يكن ليسمح لمتنفذ بأن يخترقها أو لنائب أن يفرضها أو لمتوسط أن يغيرها أو لقريب أن يؤثر على مسارها وثباتها فارتقى الأداء وترسخ الانتماء فتميز الجيش الكويتي على ما حوله من الجيوش. العم بوخالد، لم يكن في حاضرنا ما يعجبك فاعتزلت، ولم يكن في اهتمامات الناس ما يهمك فابتعدت. سنفتقدك كثيرا، سنفتقد جلسة الاثنين الخاصة وسؤالك الدائم وروحك الجميلة وحديثك العذب وتوجيهك المهذب ومحبتك الصادقة. كم هو شاق وقاس رثاء قامة مهيبة وشخصية نادرة كالشيخ الزعيم صالح المحمد الصباح، الرجل الذي سيبقى مصدر إلهام وفخر لقواتنا المسلحة. يقول الجنرال الأميركي ماك آرثر القائد الأعلى لقوات الحلفاء في منطقة جنوب غرب المحيط الهادي «إن قدامى الجنود لا يموتون، انهم فقط يتلاشون من الوجود». أسأل الله أن يديم سيرتك ومسيرتك من خلفت من بعدك خالد وسالم ومحمد يحفظهم الله، وأن يرحمك رحمة واسعة وأن يسكنك جنات النعيم.