Note: English translation is not 100% accurate
تقرير إخباري
الشرق الأوسط في العام 2016 ومنه إلى أين؟
2 يناير 2016
المصدر : الأنباء - بيروت
المؤشرات تدل على أن سنة 2016 ستشهد بداية نهاية الحروب الكبيرة والمدمرة وبداية الدخول في مرحلة التسويات الكبرى.وعلى أن المنطقة دخلت مرحلة العد العكسي للخروج من مرحلة الحروب العسكرية للدخول الى مرحلة الحلول السياسية.
وهذه مرحلة انتقالية طويلة تستمر أشهرا وسنوات. وهي عملية معقدة بمسارات متعرجة يمكن أن تسبقها جولات أخيرة تكون الأعنف.ولذلك لا يمكن المبالغة في التفاؤل لأن سنة 2016 ليست «نهاية المطاف» وإنما «بداية النهاية».البداية هذا العام والنهاية ليست بالضرورة هذا العام، ولن تكون على الأرجح.
فالحرب المفتوحة ضد «داعش» تعاني من خلل استراتيجي وثغرات واضحة في ظل ثلاثة تحالفات تدير هذه الحرب: التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، والتحالف الإقليمي بقيادة روسيا، والتحالف الإسلامي بقيادة السعودية.
والأزمة في اليمن دخلت سباقا مريرا بين الحرب والتسوية وعملية وقف النار والحوار تقف أمام اختبار صعب ودقيق. وأما مستقبل اليمن فيكتنفه غموض كثيف ولكن من الصعب ان يعود كما كان.
الوضع في العراق مازال يدور حول نفسه وسط أزمة سياسية ناجمة عن صراع سلطة وأزمة ثقة بين الحكم المركزي الشيعي من جهة والمكونين السني والكردي من جهة ثانية، وعن وجود ثلاثة كيانات متنافسة ومتصارعة على الأرض، الإقليم الشيعي الأقوى مع حشده الشعبي ومركزه المتحول من الجنوب الى بغداد، والإقليم الكردي الذي بات دولة مكتملة المواصفات والمقومات.والإقليم السني غير المكتمل ويمثل الحلقة الأضعف على الأرض وفي السلطة وتتناتشه القوى الثلاث: «داعش» والأكراد والشيعة.
وأما الأزمة السورية فإنها مرشحة لأن تدخل في العام 2016 مرحلة بداية النهاية بعدما تكون كل القوى المتورطة فيها استنفدت طاقتها وأصابها الإنهاك، وتكون خطوط الحل والتسوية رسمت على الأرض وبعدما أصبح الحل حاجة إقليمية ودولية. وفي انتظار الحل، تستمر الأزمة في مسارها على خطين متوازيين: العمليات العسكرية والجهود السياسية، ولكن للمرة الأولى تكون الحرب في خدمة الحل ويكون للعمليات العسكرية هدف سياسي هو تسريع التسوية التي انطلقت من فيينا وفي ظروف مختلفة عن «جنيف».
ويزداد المشهد السوري غموضا وتعقيدا ولم تكن انطلاقة العملية السياسية من فيينا وحطت في نيويورك كافية لتبديد الغموض وتقديم المسار السياسي على «العسكري».الأمر لا يتعلق فقط بالتدخل العسكري الروسي الذي قلب المشهد رأسا على عقب وأضفى تعقيدات جديدة على الأزمة التي دخلت فعليا مرحلة «التدويل»، وإنما أيضا بصراع المصالح الإقليمية.فهناك أولا تركيا العائدة مجددا وبقوة الى الساحة السورية بعدما تفرغ أردوغان لأشهر لانتخابات رد الاعتبار واستعادة القرار، فكان له ما أراد، ولن يتأخر الوقت حتى يعود الى التركيز على الملف السوري من باب دعم المعارضة الحليفة لتركيا وإحياء مشروع المنطقة الآمنة وإفشال الخطة الروسية بالسيطرة على الحدود التركية ـ السورية وقطع التواصل بين تركيا والمعارضة.وهناك ثانيا السعودية الثابتة على سياسة انتهجتها قيادتها الجديدة في اليمن وسورية وتركز على إيران ووقف مشروعها في المنطقة. وهناك ثالثا إيران التي اتخذت، ومنذ تفجر الأزمة والحرب في سورية، قرارها الاستراتيجي بعدم سقوط الأسد وبتقديم كل ما يلزم من دعم عسكري ومالي لتطبيق هذا القرار.
وبالتالي فإن اجتماعات فيينا لا تعني أن القتال سيتوقف أو أن الحل بات قريبا. الجميع متفقون على أن الحل العسكري للنزاع غير ممكن، وأن الحل لن يكون إلا سياسيا.ولكن هذا الحل الذي سيبنى على وقائع ونتائج ميدانية غير مكتملة ولم تتحقق بعد، تعترضه كمية كبيرة من المشاكل والألغام عند النزول الى التفاصيل، ويجعل الحذر سيد الموقف. والتدخل العسكري أتاح لروسيا أن تعطي انطباعا بأن «مفتاح الحل» في يدها، وكذلك «مصير الأسد»، كما أتاح لها أن تمسك بزمام المبادرة العسكرية والسياسية، وما ساعدها على ذلك أن الأميركيين غير راغبين في التدخل في سورية ولا خطط لديهم للتدخل لا عسكريا ولا سياسيا.
وملامح الخطة الروسية بدأت تظهر ولكن ليس بصورة واضحة ومكتملة، لأن الروس لن يكشفوا كل أوراقهم الآن وينتظرون أمرين أساسيين: التطورات العسكرية والتغييرات التي ستحدث على الأرض وتؤثر على موقعهم التفاوضي.وتطور الموقف الدولي الإقليمي وما إذا كان مستعدا لتقبل الخطة الروسية والانخراط فيها، أم أنه يتجه الى إيجاد توازن عسكري جديد على الأرض لتحسين الشروط التفاوضية.
و«عقدة الأسد» مازالت موجودة ولكنها وضعت جانبا وجرى تخطيها على أساس القبول بوجود الأسد في الفترة الانتقالية، وبمعنى أن يكون جزءا من الحل وليس جزءا من مستقبل سورية. وتقول معلومات ديبلوماسية إن بوتين سلف الأميركيين عرضا يقوم على: شراكة بين النظام والمعارضة «المعتدلة»، انتخابات برلمانية مبكرة، دستور جديد، وانتخابات رئاسية.وفي المقابل حصل بوتين على تنازلات مهمة من الأميركيين وحلفائهم، أبرزها: تقبل الدور الروسي القيادي في سورية واستعادة النفوذ الروسي في الشرق الأوسط، والاستعداد للتكاتف العسكري الاستخباراتي في الحرب على «داعش» بدلا من خوض روسيا حربا ضد «الإرهاب» القابل للتفشي في عقر دارها وحديقتها الخلفية.
وأما الملف الفلسطيني، فإنه على الأرجح لن يشهد أي تحرك هادف وأي اختراق نوعي في العام 2016 وهو مؤجل الى العام 2017 وما بعده.والأمر لا يتعلق فقط بانتظار ما ستؤول إليه حروب المنطقة من تسويات، وإنما بانتظار الرئيس الأميركي الجديد الذي سيبدأ من حيث انتهى الرئيس باراك أوباما.
والانتفاضة الثالثة ليست مناسبة في توقيتها وظروفها لنتنياهو ولمحمود عباس ولا للرئيس أوباما الذي يفقد في نهاية ولايته ما تبقى من تأثير له على الطرفين، ولا للمجتمع الدولي والعربي الذي يخشى من موجة جديدة من العنف تتداخل مع التوترات الإقليمية الأوسع في المنطقة بعدما تضاربت جملة عوامل في إشعالها وانهيار مفاوضات السلام. وأما الهاجس الأكبر فإنه يتعلق باحتمال انهيار السلطة الفلسطينية، خصوصا أن هذا السيناريو هو قيد التداول في إسرائيل.
فالرئيس أوباما لم يعد يؤمن باستئناف المفاوضات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، والإسرائيليون ليسوا مؤمنين أصلا بحل الدولتين. والفلسطينيون يشهدون بأم أعينهم تبخر مشروع الدولة الفلسطينية في ظل الحروب العربية والانشغال الاوروبي والانكفاء الأميركي.فالأمور لا تقتصر فقط على الجانب السياسي الذي بات يتسم بأهمية كبيرة في الظروف الراهنة بسبب تغييرات دولية وإقليمية مهمة، فهناك إحساس، حتى لدى الإسرائيليين، بأن دور أميركا العالمي، خصوصا في منطقتنا، بات في تراجع. والأهم أن دولا أخرى باتت تحاول أن تنال حصتها من الواقع الجديد، وبين أبرز هذه الدول في المنطقة إيران وروسيا.وأوباما يشرف اليوم على إنهاء الحقبة الأميركية في الشرق الأوسط، في وقت يسعى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الى دحر مساعي الغرب لإضعاف روسيا وعزلها منذ فترة ما بعد نهاية الحرب الباردة، أطاحت الحرب في جورجيا في 2005 وفي القرم وأوكرانيا في 2014، محاولات الغرب لجلب حلف «الناتو» إلى أعتاب روسيا، وتأتي خطة إعادة بناء وجود عسكري روسي قوي في سورية ردا على عقدين من احتكار الولايات المتحدة عملية الحرب والسلم في الشرق الأوسط.