Note: English translation is not 100% accurate
لا أزمة في الكويت بمقدار ما في إدارتها العامة من ضعف
«الغرفة»: الإصلاح المالي في الكويت ظاهرة كلامية
11 فبراير 2016
المصدر : الأنباء

أصدرت غرفة تجارة وصناعة الكويت مذكرة بشأن الإصلاح المالي والرؤية التنموية للكويت بعنوان «ليس في الكويت من أزمة إلا بمقدار ما في ادارتها العامة من ضعف»، وذلك في ضوء أزمة انخفاض أسعار النفط. وتناولت الغرفة المذكرة في 4 محاور رئيسية هي كالتالي:أولا: نحو مرحلة استعادة التوازنبين سبعينيات القرن الماضي ومنتصف عام 2014، سجل سعر برميل النفط سلسلة متقطعة من الارتفاعات الرئيسية التي وصلت به الى أكثر من 110 دولارات (2013)، كما سجل سلسلة مقابلة من التراجعات الأكثر حدة، والتي هبطت به الى حدود سبعة دولارت فقط (1986). وهذا المشهد المتكرر على مساحة أربعين سنة أو تزيد، رافقته – في الكويت – ظاهرة بالغة الغرابة والضرر تعاود الحضور مع كل مد وجزر، وتتمثل بتزايد الاهتمام بالإصلاح المالي والاقتصادي الى اقصى درجات الكلام كلما انتكست أسعار النفط وانخفضت ايرادات الميزانية العامة، ثم سرعان ما ينحسر هذا الاهتمام مع أول بوادر عودة هذه الأسعار الى الارتفاع، ليبقى الإصلاح في الكويت ظاهرة كلامية. ومنذ منتصف عام 2014 حتى نهاية يناير 2016، خسر برميل النفط الكويتي 75% من سعره، مسببا انخفاضا نسبته قرابة 30% في قيمة الأصول، وأكثر من 40% في حجم تداول الأوراق المالية، و8% في قيمة صرف الدينار مقابل الدولار.
ورغم ما تحمله هذه المؤشرات من انذارات خطيره، ورغم ما قدمه صاحب السمو الأمير من توجيهات صريحة مباشرة ومن قدوة واعية رائعة في هذا الصدد، نلاحظ أن السلطتين التشريعية والتنفيذية قد تعاملتا مع الأزمة حتى الآن على منوال تعاملهما مع سابقاتها، تصريحات تناقض بعضها، ولجان تلد أخرى، ومقترحات صدرت طبعتها الأولى قبل عقود.إن ما يتسم به تعامل السلطتين مع الأزمة من تهاون وتهوين، ومن ارتباك وتأجيل، لأمر يدعو الى القلق، ويفسح في المجال أمام كثرة التدخلات وانتشار الاشاعات.وهذا بالذات ما دفع غرفة تجارة وصناعة الكويت الى اعداد هذه المذكرة، مع علمها بأنها لن تخرج في مجملها عما سبق لها، ولجهات ومؤسسات وشخصيات وطنية وأجنبية كثيرة، أن أعلنته من مواقف ونشرته من دراسات ومذكرات، ونظمته من ندوات ومؤتمرات، محذرة من مخاطر النهج الاستهلاكي العقيم والاقتصاد الريعي المتواكل.ثانيا: الإصلاح المالي بين المصارحة والتصريحات
ثمة اجماع علمي على الأقل بأن الإصلاح المالي المطلوب في الكويت يقتضي إعادة هيكلة كاملة للمالية العامة في البلاد، تتطلب – فيما تتطلب – معالجة الهدر بكل أشكاله، وقصر الدعم على مستحقيه من الأفراد، وربطه بأولويات القطاعات والأنشطة وبكفاءة الأداء بالنسبة للمؤسسات. وتتطلب فيما تتطلب، إيجاد نظام ضريبي بأفضل أسلوب ممكن، وإعادة تسعير السلع والخدمات العامة والأراضي، واحياء برامج الخصخصة كمدخل أساسي من مداخل تخفيض اعباء الدولة وتكاليفها من جهة، ولكي يستعيد القطاع الخاص دوره التنموي من جهة أخرى. ومهمة بهذا العمق «الجراحي»، وتداعياته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، لا يمكن أن تتم من خلال اجراءات انتقائية متتالية ومتفرقة يعلن عن كل منها على حده، وتبعا للضغوط والتسويات، بل لابد للنهوض بهذه المهمة من حزمة متكاملة من السياسات والقرارات والإجراءات التي يعلن عنها جميعا في إطار خطة واضحة الخطوات، يجري تطبيقها بالتدريج وحسب جدول زمني يمتد إلى سنوات عديدة، شريطة احترام مضمونه والالتزام بمواقيته.ذلك أن إصدار قرارات بخفض الدعم، بمنأى عن خطوات جادة للحد من الهدر، ودون إعلان مواز عن خطوات زيادة الايرادات من خلال إعادة تسعير السلع والخدمات والأراضي العامة والضرائب المناسبة، سيؤدي إلى انعكاسات سيئة على منهج الإصلاح المالي وعلى الاستقرار الاجتماعي في آن معا. كما أن تقليص الانفاق الاستهلاكي بسياسات انكماشية متشدده سيلحق ضررا بالغا بالنشاط الاقتصادي وبموارد المالية العامة ما لم يكن هذا التقليص لحساب تعزيز الانفاق الاستثماري ورفع كفاءته. وإذا كان من غير المفيد ـ في تركيزنا على مرحلة استعادة التوازن ـ أن نلج في جدالنا العبثي عن كيف اضعنا فرصة التاريخ ومن المسؤول، فإن من الخطأ فعلا التهوين من عمق وصعوبة الأزمة التي نواجهها، واطلاق الأحكام والتصريحات المتناقضة وغير الواقعية بشأنها، بل يجب أن نضع أمام المواطن كل النقاط فوق كل الحروف وتحتها. ولئن كانت مسؤولية مأزقنا الاقتصادي الحالي تقع على عاقتنا جميعا بلا استثناء وكل حسب موقعه وصلاحياته، فإن مسؤولية استعادة التوازن تقع أيضا على كاهلنا جميعا وكل حسب موقعه وصلاحياته.ومن هنا، نجد من واجبنا أن نشير بإيجاز إلى الحقائق التالية توضيحا وتصحيحا لبعض المفاهيم:
1- الإصلاح المالي الذي نحتاج إليه عملية صعبة ومعقدة وموجعة، وتحتاج إلى وقت ورؤية وإرادة، وإلى حزم وصبر وتضحية.
2- ليس صحيحا ولا ممكنا أن نحقق إصلاحا ماليا كافيا وناجحا دون أن يتأثر المواطنون، بمختلف شرائحهم وإمكاناتهم.
3- ليس صحيحا ولا ممكنا أن نستند إلى احتياطاتنا المالية في معالجة الأزمة. هي تساعد ـ بالتأكيد ـ في تخفيض تكاليف وآلام الإصلاح، ولكنها لا يمكن أن تكون بديلا له.
4- رغم قوة الجهاز المصرفي الكويتي وسلامة أوضاعه المالية، ومعدلات سيولته وكفايته الرأسمالية، فإن من الضرورة بمكان أن نعمل وبسرعة لتخفيض الضغوط التي يمكن أن يتعرض لها بسبب الارتباط الوثيق بين أسعار النفط وأسعار الأصول من جهة، وبسبب درجة التداخل والتشابك بين المجموعات الاقتصادية المختلفة من جهة ثانية، خاصة أن الاقتصاد الكويتي يسجل منذ عام 2007 حتى الآن أقل معدل لعائد الموجودات في المنطقة (Return/Assets Ratio)، والذي لم يتجاوز في الكويت 5.7%، مقابل 8.3% في البحرين، و8.7% في الإمارات، و9% في السعودية، 11.3% في قطر، و11.5% في عمان.
5- أعربت الغرفة مرارا عن تأييدها لإيجاد نظام ضريبي ملائم في الكويت.وقد قاربت وزارة المالية الكويتية على انجاز مسودة «قانون ضريبة أرباح الأعمال»، ولكننا ـ وللأسف الشديد ـ لم نسمع حتى الآن عن دراسة تؤكد أن هذه الضريبة بالذات هي البوابة الأفضل لدخول الكويت الى عصر «النظام الضريبي الحديث».
6- في إقرار أي إجراء لزيادة الإيرادات العامة أو تخفيض الإنفاق العام، يجب ألا يكون المعيار الأساسي هو حجم الجباية أو الوفر المتوقع من هذا الإجراء، بل يجب أن يكون إلى جانب هذا المعيار وقبله معيار العدالة ومعيار الانعكاسات المتوقعة على النشاط الاقتصادي العام. وبتعبير آخر، ان الجدوى الاقتصادية والاجتماعية أهم بكثير من حصيلة الجباية أو الوفر.ثالثا: الرؤية التنموية وإستراتيجية التيسير التجاري
ثمة فارق كبير بين «تنويع ايرادات الميزانية العامة» و«توسيع القاعدة الإنتاجية»، ومن الخطأ في معالجة أوضاعنا الاقتصادية أن نركز على جانبها المالي فقط، بل لابد من أن يسير الإصلاح المالي بالتوازي مع الإصلاح الاقتصادي المتمثل بالرؤية التنموية لتوسيع القاعدة الإنتاجية. وبما أن تعزيز الايرادات العامة يرتبط، وبقوة وبالضرورة، بتوسيع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد الوطني، فإن برنامج الإصلاح المالي يجب أن يصمم اصلا في ضوء الرؤية التنموية وبما يخدم مشاريعها وتوجهاتها. وسواء طالت أزمة انخفاض أسعار النفط أم شهدت انفراجا غير بعيد، فإن مغامرتنا الخطيرة والمستمرة في الاعتماد شبه الكلي على منتج وحيد يجب أن تنتهي، ولمصلحة رؤية تنموية حقيقية مستدامة، تستند الى قوة عاملة وطنية، ويقود قاطرتها قطاع خاص كفء، وتتمتع منتجاتها وخدماتها بتنافسية دولية عالية. وهذه الرؤية لا تتعارض مع الاستراتيجية التي أطلقها حضرة صاحب السمو الأمير الشيخ صباح الأحمد، حفظه الله ورعاه، لتحويل الكويت الى مركز مالي وتجاري اقليمي ودولي، بل هي تتكامل معها وتشكل منطلقا لها. لأن بناء اقتصاد حقيقي شرط أساسي لنشوء اقتصاد مالي داعم.وفي اعتقادنا أن الكويت يجب أن تتوجه في رؤيتها التنموية نحو الاستثمار في التعليم، ومشاريع البنية الأساسية الضخمة كالموانئ البحرية والمنافذ البرية والمطارات والمواصلات، وفي دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وفي المعرفة والطاقة المتجددة. فأهم ما تملكه الكويت من أصول مستدامة هو حيوية شعبها واستراتيجية موقعها.
وهي ـ في مرحلة استعادة التوازن كما في مرحلة ما قبل النفط ـ مؤهلة لأن تلعب دورا لوجستيا حيويا وبالغ الأهمية. رابعا: المرتكزات الأساسية للإصلاح المالي والرؤية التنموية
1- التخصيص: من المتفق عليه أن بوابة الإصلاح الاقتصادي هي إيجاد البيئة المناسبة ليستعيد القطاع الخاص دوره الاقتصادي والاجتماعي باعتباره قاطرة التنمية، مع كل ما يعنيه ذلك من تفعيل قانون وسياسات الخصخصة، واطلاق قوى المنافسة العادلة، وتشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة. والدعوة إلى عودة الدولة لدورها الاقتصادي في اقتصادات السوق، هي في الحقيقة دعوة إلى تحسين أدائها الاقتصادي من خلال التركيز على دورها التخطيط والرقابة والمتابعة، وتصحيح الانحراف والحفاظ على عدالة المنافسة.
2- التعليم: خلال العقود الأربعة الماضية، التي لم تنجح خلالها الكويت في الإمساك بفرصة التاريخ، تعددت تجارب الإصلاح الاقتصادي الناجحة في العالم، فانتقلت دول عديدة إلى مراحل متقدمة من النمو وكسرت حاجز الفقر والتخلف مثل، الصين، الهند، كوريا، تركيا، اندونيسيا، ماليزيا وسنغافورة.
3- الإدارة العامة: رغم التداعيات الكثيرة والضغوط الهائلة الناجمة عن انخفاض الإيرادات النفطية، فإن هذا الهبوط ليس سبب الأزمة المالية والتنموية التي تعانيها الكويت الآن، بل هو المناسبة التي كشفت عن عمق الأزمة وخطورتها. أما الأزمة بحد ذاتها فهي الحصاد المر لعقود من تسابق السلطتين على كسب ود البيروقراطية المهيمنة على صندوق الانتخاب. وهي الحصاد المر لعدم الالتزام بفصل السلطات مجاملة حينا، ومهادنة حينا، وضعفا في أكثر الأحيان.الخلاصةختمت الغرفة مذكرتها قائلة:«انه قبل ستة قرون ونيف، كتب المقريزي رسالة عن ارتفاع الأسعار في مصر، ختمها بالقول:«ليس بالناس غلاء إنما نزل بهم سوء التدبير والإدارة».وننسج على منوال عبارة المقريزي، ونلخص العلاقة بين تجاوز الأزمة وإصلاح الادارة العامة فنقول: ليس في الكويت من أزمة إلا بمقدار ما في إدارتها العامة من ضعف».