Note: English translation is not 100% accurate
موقف دعوي
عبدالرحمن الشنقيطي يحكي كلمات «الداعية المبارك» عن صديقي الطائش: اتركه.. أتوسم فيه أن يكون من كبار الدعاة
29 يونيو 2016
المصدر : الأنباء


لا يجوز القنوط من هداية وصلاح أي كان من أبنائنا أو أصدقائنا مهما بلغ من الفساد والزيغ
الداعية عبدالرحمن سيديا الشنقيطي يروي لنا موقفا لن ينساه أثناء عمله الدعوي فيقول: من المواقف التي هي حاضرة في ذهني دائما، وكان لها بالغ التأثير علي، وفيها العبرة والعظة لمن تأملها: كان لي صديق مقرب أيام الدراسة الثانوية ـ هو الآن أحد كبار الدعاة في البلاد ـ كان بحكم الجيرة والزمالة الدراسية دائم التردد علي الى حد الملازمة ـ تقريبا ـ غير انه كان وحيد أبيه، فكان أبوه يبالغ في تدليله وترفيهه، ما جعله ـ خلافا لغالب شباب القرية العلمية «أبوتمليت» ـ يتميز بطيش وسفه في سلوكه، فكان يكره جماعة الدعاة التي كانت تجوب يوميا ـ تقريبا ـ القرية للاعلان عن مواعيد الدروس والحلقات العلمية في الجامع، فما ان تقع عيناه على مشهدهم وهم يسيرون بوقار مطأطئي رؤؤسهم، غاضي ابصارهم، الا ويتبعهم ساخرا متهكما نابزا لهم بأبشع وأقذع الأوصاف.
كنت لا أتمالك نفسي دفأنهاه وأزجره، ومرات احتد في الانكار عليه، وقد أصل الى ان اطلب منه عدم زيارتي بعدها.
ويقدر الله تعالى ان يأتي ذلك اليوم من العطلة الصيفية عام 1993 ميلادي وأقرر ان اعتزل يوما كاملا في المسجد الجامع، متفرغا للذكر وقراءة القرآن والتدبر، وفي آخر ذلك اليوم وبينما كان أحد الدعاة يعظنا بعد الفراغ من صلاة المغرب اذ دخل زميلي الطائش، واخذ يقاطع الاخ الداعية ويقول لي بصوت عال مستهترا: «أين انت طيلة اليوم.. اخذك الدعاة ليغسلوا دماغك وليبقوا يجرجرونك وراءهم في الطرقات، ونحو ذلك من معهود طيشه». فانفعلت ونهرته وقلت له: اما ان تجلس بأدب أو تخرج من المسجد وتتركنا نستمع كلمة الشيخ. ففاجأني الشيخ الداعية بقوله: «اتركه يا اخي فوالله اني لأتوسم في زميلك هذا ان يكون من كبار الدعاة الى الله وأكثرهم تأثيرا...».
اسقط في يدي وتملكني الاستغراب والدهشة وانا اسمع هذا الكلام من ذلك الداعية المشهود له في القرية بالطيبة والاستقامة.
انصرفت بعد صلاة العشاء وأنا لا تفارقني كلمات الاخ الداعية في حق زميلي «الطائش».
صادفت في صباح اليوم التالي زميلي عند دكان الحي، فحدثته بكلام الداعية في حقه، فضحك حتى قهقه، وقال لي: ذاك الداعية تحديدا انا أكرهه وأتمنى ان أنفرد به لأفعل به كذا وكذا من أنواع الاهانات.
نظرت فيه وتأملت في كلامه ذلك، وكأن شيئا يعيد ـ في تلك اللحظات ـ إملاء كلمات الداعية فاستحضرها.. لأقول له: «شئت أم أبيت قلبك بيد الله وستصدق فيك ـ بإذن الله ـ فراسة اخينا الداعية». وتمر الأيام ونكمل معا مرحلة الثانوية وأحصل على منحة للمتابعة في الجامعة الاسلامية بالمدينة المنورة، وتنقطع عني أخبار زميلي فترة من الزمن.. ويصلني الخبر الفاجع وأنا في سنة التخرج من الجامعة بوفاة ذلك الداعية المبارك اثر وعكة صحية ألمت به.. فأترحم عليه، ثم أبدأ اتصل بالمعارف والأصدقاء سائلا عن أخبار زميلنا.. فلا أحصل منهم على أكثر من انه انتقل منذ سنة للعمل في الامارات.
أتممت دراستي الجامعية وعدت للبلاد، وبينما انا في العاصمة في احد أيام صيف العام 1999 ميلادي، اذ توقفت أمامي سيارة لينزل منها شاب كث اللحية وضيء الوجه ويقبل علي مسرعا مبتسما ويضمني اليه بحرارة مرددا كلمات الترحيب ليجهش أثناء ذلك بالبكاء.
ثم اعتدل ناظرا الي قائلا: هل عرفتني يا عبدالرحمن؟ قلت له: لا لم اعرفك بعد للأسف!
قال: أنا زميلك «أحمد»! هل تذكرتني؟ آه يا أحمد ذكرتك!
فوالله لقد كاد يغشى علي من هول الموقف وغرابته.. أهو أنت يا أحمد.. أهذه حقيقة وواقع..!
قال لي قبل ان اذكره بكلمة الداعية في حقه قبل سبع سنين: هل تذكر الداعية فلانا في القرية يوم ان قال لي بالمسجد اني سأكون يوما ما داعية..!
قلت له: نعم لا تفارقني تلك الكلمات منه، لكن هل بلغك انه توفي رحمه الله تعالى.
قال لي: نعم بلغني ذلك وقد قدمت لأهله واجب العزاء فيه.
ثم حكى لي قصة تحوله في الإمارات من حارس أمن الى مؤذن ثم الى إمام ثم الى داعية وهو اليوم امام وخطيب ويدير محفظة قرآنية كبيرة، وجهوده الدعوية والإغاثية مشهورة ومشهودة.
فسبحان مقلب القلوب الذي صيره الى هذه الحال من الخير بعد ما كان عليه في شبابه من حال الطيش والضياع.
نستنتج من هذه القصة الواقعية الحقيقية أمورا مهمة:
أولا: انه لا يجوز القنوط من هداية وصلاح أي كان من أبنائنا أو أصدقائنا مهما بلغ من الفساد والزيغ.
ثانيا: ان الداعية الى الله تعالى ينبغي ان يكون متحليا بصفة الاشفاق والحنو على الناس زيادة على صبره على اذاهم.
ثالثا: عظم قدرة الله تعالى ونفاذ مشيئته فهو القادر جل وعلا ان يغير الأحوال، ويصرف القلوب كيف يشاء ومتى يشاء، فالواجب علينا دائما ان ندعو لمن نحبهم بالهداية والصلاح وان نتفاءل لهم ولا نيأس أو نسأم من السعي في هدايتهم مهما عاندوا أو كابروا أو تنكبوا سبيل الاستقامة.