إن عمل العبد وقيامه بشؤون سيده: مستحق عليه بحكم كونه عبده ومملوكه، فلو طلب منه الأجرة على عمله وخدمته: لعده الناس أحمق وأخرق، هذا وليس هو عبد هذا الرجل ولا مملوك هذا السيد على الحقيقة، بينما هو عبدالله ومملوكه على الحقيقة من كل وجه، فعمل العبد وقيامه بحقوقه: مستحق عليه بحكم كونه عبده، فإذا أثابه عليه: كان ذلك مجرد فضل منه ومنة عليه وإحسان إليه لا يستحقه العبد، ومن هنا يفهم معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل».
فأدنى نعم الله تعالى على عبده لو وضعت في إحدى كفتي الميزان، ووضعت جميع أعمال العبد الصالحة في الكفة الثانية: لثقلت كفة النعمة، وطاشت كفة الأعمال.
وإذا ضم هذا الحديث الشريف إلى قول الله تعالى: إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون: تبين أن المقصود بنفي دخول الجنة بالعمل: هو نفي دخول الجنة عوضا عن العمل المجرد عن القبول، والمقصود بإثبات دخول الجنة بالعمل: هو إثبات دخول الجنة بسبب العمل الذي قبله الله تعالى برحمة منه وفضل.
فالعمل الصالح ـ الذي ابتغى به العامل وجه الله تعالى، واتبع فيه هدي رسوله صلى الله عليه وسلم ـ كان سببا: لإدراك رحمة الله تعالى للعامل، وبلوغ فضل الرب بقبول العمل، فكان دخول الجنة في الحقيقة: برحمة من الله تعالى وفضل، وكان العمل الصالح سببا لذلك.
لذا قال أنس بن مالك رضي الله عنه: «يخرج للعبد يوم القيامة ثلاثة دواوين: ديوان فيه حسناته، وديوان فيه سيئاته، وديوان النعم التي أنعم الله عليه بها، فيقول الرب تعالى لنعمه: خذي حقك من حسنات عبدي. فيقوم أصغرها فتستنفذ حسناته كلها، ثم تقول: وعزتك، ما استوفيت حقي بعد. فإذا أراد الله أن يرحم عبده: وهبه نعمه عليه، وغفر له سيئاته، وضاعف له حسناته».
وهذا يدل على كمال علم الصحابة رضي الله عنهم بربهم، ومعرفتهم بحقوقه عليهم، وفي هذا الأثر من العلم والمعرفة: ما لا يدركه إلا أولو البصائر، العارفون بالله تعالى وأسمائه وصفاته وحقه، وهذا الأثر يعين على فهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه: لعذبهم غير ظالم لهم، ولو رحمهم: كانت رحمته لهم خيرا من أعمالهم».
بقلم: أ.د.وليد محمد عبدالله العلي استاذ الشريعة والدراسات الاسلامية بجامعة الكويت وإمام وخطيب المسجد الكبير بدولة الكويت
[email protected]