Note: English translation is not 100% accurate
تركيا القديمة انتهت... «الجمهورية الثانية» ولدت..وأوروبا تتخوف من دولة إسلامية متحفزة على أبوابها
20 يوليو 2016
المصدر : الأنباء
لم يعد مهما في الحدث التركي الذي خطف كل الأضواء الوقوف على الأسباب الكامنة وراء الانقلاب وتلك التي أدت الى فشله. المهم الآن هو ما يتعلق بمستقبل تركيا والى أين تتجه. فالثابت أن ما حدث «ليل ١٥ - ١٦ يوليو» أقام خطا فاصلا بين مرحلتين، وتركيا بعد الانقلاب لن تكون كما كانت قبله، وستشهد تحولات وتغييرات داخلية عميقة و«انقلابا» في بنية الدولة وتركيبتها، وستدخل تركيا في مرحلة جديدة، وستشهد أياما صعبة، وستلحق بلائحة الدول المصنفة دولا غير مستقرة.
التحولات والأزمات لم تعد تقتصر على المنطقة العربية التي منها انطلقت شرارة الانقلابات والثورات، وإنما تمتد الى أرجاء الشرق الأوسط الكبير، لا بل بدأت تطأ أرض أوروبا التي عصفت بها رياح اللجوء والإرهاب وشهدت زلزالا بريطانيا يهدد بتفكيك اتحادها. وحتى الولايات المتحدة فإنها تشهد تحولا داخليا من نوع آخر سيتبلور أكثر في حال وصول دونالد ترامب الى البيت الأبيض.
تركيا دخلت مرحلة «التحول الكبير» وهي المرحلة الثالثة في مائة عام. المرحلة الأولى هي المرحلة «الأتاتوركية» التي امتدت لعقود وكانت «تركيا العلمانية» بحماية الجيش وفي عهدته.. المرحلة الثانية بدأت في العام ٢٠٠٠ وكانت مرحلة انتقالية تأرجحت فيها تركيا بين مسارين علماني وإسلامي، وسط تقدم بالنقاط للنهج الإسلامي. فباتت تركيا دولة ذات وجه إسلامي ولم يعد الطابع العلماني يغلب عليها وإنما دخل في مرحلة انكفاء وانحسار متدرج.. المرحلة الثالثة بدأت في ١٥ يوليو ٢٠١٦، إنها المرحلة «الأردوغانية» التي ستعلن انتهاء تركيا القديمة، تركيا أتاتورك والعلمانية والجيش، وولادة تركيا الجديدة، تركيا أردوغان والإسلام السياسي وحزب العدالة والتنمية.
ما شهدته تركيا من أحداث بدءا من ليلة الانقلاب الفاشل مهم جدا، ليس فقط لأنه يفضي الى تثبيت دعائم حكم الرئيس رجب طيب أردوغان وتأكيد سيطرته المطلقة التي سيكون من الصعب جدا تهديدها واختراقها من جديد على الأقل مع أردوغان وطالما هو على قيد الحياة، وإنما لأنه يعلن أن تركيا، كدولة ونظام، ستتغير ولن تعود كما كانت قبل أردوغان ولن تبقى كما كانت مع أردوغان في السنوات الـ١٦ الماضية.. أردوغان يدخل التاريخ التركي من بابه الواسع وهو بصدد بناء دولة جديدة على أنقاض جمهورية أتاتورك. في السنوات الماضية أحرز تقدما واضحا بالنقاط في حربه الباردة مع المؤسسة العسكرية وهو يعلم أنها مصدر الخطر الأول عليه، فاستطاع ضبط إيقاعها وأدائها والى حد ما احتواء دورها، ولكن الانقلاب أعطاه فرصة تسديد الضربة القاضية، فانقض «الأسد الجريح» على «فريسته» وغرز فيها مخالبه والتهمها.
أهمية ما حدث تكمن أولا في أنه «أنهى» وظيفة الجيش التركي كحارس للعلمانية ومؤتمن على «إرث أتاتورك»، وفي أنه يدخل تركيا في مرحلة «التأسيس الثاني» لـ«الجمهورية الثانية» التي ستكون في الواقع «جمهورية إسلامية». وما يجري حاليا من عملية «تنظيف وتطهير» واسعة النطاق داخل الجيش والقضاء سيؤدي الى تسريع عملية التحول والتغيير وتقصير المسافات الزمنية والدستورية والسياسية. فما يجري هو أقرب الى «عملية اجتثاث واستئصال» لكل معارضي أردوغان ولكل ما يمت الى تركيا القديمة بصلة. وهذا المنحى الذي يسلكه أردوغان في لعبة الإمساك والسيطرة وفي التعامل مع خصومه يسبب قلقا لدى جيرانه الأوروبيين الذين يخشون تراجعا هائلا الى الوراء بعدما قطعت تركيا أشواطا في الديموقراطية والحرية وحقوق الإنسان، وأيضا في مفاوضات الانضمام الى الاتحاد الأوروبي.
هذا هو السبب المعلن للقلق الأوروبي. أما السبب الفعلي وغير المعلن فإنه لا يتعلق بمصير «الانقلابيين» وإنما بمصير ومستقبل تركيا التي تواجه احتمال وإمكانية التحول الى «جمهورية إسلامية» والى «منصة إسلامية» متقدمة على أبواب أوروبا وسببا في تغذية ورعاية حالة إسلامية متحفزة للتسلل الى أوروبا والتغلغل فيها.
على المستوى الاستراتيجي تركيا ستصبح جمهورية إسلامية واقعيا وربما من دون أن تحمل هذا الاسم، وإيران لن تكون منزعجة إذا حصل هذا الأمر وقامت جمهورية إسلامية سنية موازية للجمهورية الإسلامية الشيعية، خصوصا أن ما يجمعها بتركيا من مصالح وعلاقات أكثر مما يفرقها، ومشروع إيران «التوسعي» سياسيا المرادف لمشروع تصدير الثورة إسلاميا هو في اتجاه الدول العربية، فيما مشروع تركيا التوسعي تحول في اتجاه أوروبا بدءا من دول البلقان بعدما فشلت محاولة التوسع في اتجاه الدول العربية والإفادة من ثورات الربيع العربي على أساس النموذج التركي.