يجسد شمعون بيريز، الذي مات يوم الأربعاء الماضي عن عمر ناهز 93 سنة بعد اصابته بجلطة دماغية في الثالث عشر من سبتمبر الجاري، ذلك التباين الكبير بين صورة اسرائيل في الغرب وواقع سياساتها الاستعمارية الدامية في فلسطين والمنطقة العربية على نحو أوسع.
ورصد تقرير لـ «ميدل ايست مونيتر» سيرة حياة بيريز، الذي انضم في شبابه خلال عقد الثلاثينيات الى عصابة (الهاغاناه) وهي ميلشيا مسؤولة بشكل رئيسي عن التطهير العرقي الذي مارسته في القرى الفلسطينية بين عامي 1947 و1949 أي خلال عصر النكبة.
وبالرغم من شهرته في الغرب كمفاوض للسلام ودوره في التوصل الى اتفاقيات اوسلو عام 1993 التي أكسبته مع اسحق رابين وياسر عرفات جائزة نوبل للسلام، إلا أن سجل بيريز لدى الفلسطينيين والدول العربية الأخرى، مختلف تماما عن سمعته كـ «حمامة» لا تكل في البحث عن السلام، وهذا في الحقيقة أبعد ما يكون عن الواقع. فقد كان يؤمن باستخدام القوة وسعى اليها دائما دون تردد، إذ عندما كان يعمل كمدير عام لوزارة الدفاع الاسرائيلية بين عامي 1953 و1965 حصل بيريز على لقب «مهندس برنامج الاسلحة النووية في اسرائيل» هذا البرنامج الذي لايزال الى اليوم محاطا بجدار من السرية والكتمان، وعصيا على عمليات التفتيش التي تقوم بها عادة الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
من الواضح أن بيريز لعب دورا رئيسيا في النظام العسكري الذي تم فرضه على المواطنين الفلسطينيين حتى عام 1966 وتم من خلال هذا النظام مصادرة الكثير من الأراضي أو«تهويدها» بمعنى أصح.
وفي عام 2005 جدد بيريز بصفته نائب رئيس الحكومة أرييل شارون هجومه على المواطنين الفلسطينيين بخطط لتشجيع اليهود الاسرائيليين على التحرك الى منطقة الجليل، بل وبينما كان مشروع اسرائيل الاستيطاني في الضفة الغربية يرتبط دائما بحزب (الليكود) وغيره من الاحزاب اليمينية الاخرى، كان حزب العمل الذي ينتمي إليه بيريز في الواقع هو الذي بدأ سياسة الاستيطان الاستعمارية في الاراضي الفلسطينية المحتلة وكان بيريز من أكثر المتحمسين لهذا المشروع.
وخلال عمله كوزير للدفاع بين عامي 1974 و1977 عمدت حكومة رابين الى انشاء عدد من المستوطنات في الضفة الغربية، كان منها مستوطنة اوفرا.
وبصفته رئيسا للحكومة عام 1996، أمر بيريز وأشرف على عملية «عناقيد الغضب» حينما قتلت القوات الاسرائيلية المسلحة حوالي 154 مدنيا لبنانيا وجرحت 351 آخرين. ورأى الكثيرون في هذه العلمية مجرد استعراض للقوة قبيل الانتخابات الاسرائيلية من أجل كسب التأييد الشعبي لبيريز.
وتضمنت هذه العملية، طبقا لموقع القوات الجوية الاسرائيلية الرسمي، عملية قصف شاملة للقرى اللبنانية الواقعة في الجنوب، وذلك لكي تدفع المدنيين الى الهجرة الى الشمال نحو بيروت كوسيلة ضغط اسرائيلية على لبنان لكبح حزب الله.
بيد أن أكثر الأحداث شناعة في هذه الحملة تمثلت في مجزرة (قانا) حينما قصفت اسرائيل مجمع الأمم المتحدة، وقتلت حوالي 106 أشخاص مدنيين التجأوا إليه. وذكر تقرير الأمم المتحدة فيما بعد أنه، وعلى عكس الانكار الاسرائيلي، لم يكن ما حدث مجرد خطأ فني كما زعمت اسرائيل، بل وأبلغ بعض العسكريين التلفزيون الاسرائيلي أنهم لا يشعرون بالأسف إزاء هذه المجزرة لأن الموتى فيها كانوا مجرد (حفنة من العرب). أما بالنسبة لبيريز فقد قال: لقد تم كل شيء وفقا لمنطق واضح وبطريقة مسؤولة ولذا أنا مرتاح الضمير.
حصار غزة
لقد تعرض قطاع غزة، تحت إشراف بيريز، لعملية حصار وحشية ولثلاث هجمات كبرى. وبالرغم من غضب العالم على مثل هذه السياسات، فإنه أيد على الدوام سياسة العقاب الجماعي والوحشية العسكرية، ففي يناير 2009، على سبيل المثال، وبرغم النداءات كي يتم وقف عملية «الرصاص المسكوب» وصف بيريز التضامن الوطني الذي وقف وراء هذه العملية العسكرية بأنه «ساعة اسرائيل الرائعة». وكان الهدف من هذا الهجوم برأيه توجيه ضربة قوية لسكان غزة بحيث يفقدون رغبتهم في إطلاق النار على اسرائيل.
وفي عام 2014 خلال عملية القصف غير المسبوق على غزة، خرج بيريز مرة أخرى ليتنصل من جرائم الحرب. فبعد أن قتلت القوات الاسرائيلية أطفالا يلعبون على الشاطئ أنحى بيريز باللائمة على الفلسطينيين قائلا: لقد حذرنا أن تلك المنطقة ستقع تحت القصف. وأضاف: لكنهم، لم يمنعوا الأطفال من الوصول اليها واللعب فيها.
وعندما دان العالم حصار غزة الخانق باعتباره شكلا من أشكال العقاب الجماعي الممنوع دوليا، دافع بيريز كالعادة عن ذلك بالقول: إذا توقف الغزاويون عن إطلاق النار، فلن تكون هناك حاجة للحصار.
غير قادر على الاعتذار حتى آخر رمق
الواقع أن رؤية بيريز فيما يتعلق بالتوصل الى اتفاق سلام مع الفلسطينيين كانت دائما واضحة بالنسبة اليه، فقد ذكر في عام 2004 قائلا: الأولوية الأولى بالنسبة لنا هي المحافظة على اسرائيل كدولة يهودية، فهذا هو هدفنا المركزي وما نحارب أو نقاتل من أجله. وفي العام الماضي كرر نفس هذا التصريح في مقابلة مع وكالة اسوشييتد برس قائلا: على اسرائيل أن تنفذ حل الدولتين من أجل مصلحتها الخاصة وذلك حتى لا نخسر أكثريتنا اليهودية.
أخيرا، قبل بضع سنوات وصف بيريز الفلسطينيين بأنهم يجعلون من أنفسهم ضحايا، وأنهم ضحايا لأخطائهم الذاتية دون ضرورة. لا شك أن مثل هذا التظاهر الفج بالتسامح كان على الدوام صفة بارزة في هذا الرجل الذي يعتبر السلام على الدوام مجرد تهدئة في ظل حكم استعماري.