يواجه الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب جملة من التحديات والصعوبات ليس فقط على الصعيد الداخلي وإنما على الصعيد الخارجي في ظل تشابك وتعقيدات الملفات الداخلية والخارجية.
فقد كشفت الانتخابات الأميركية عوار المجتمع الأميركي وعكست مشكلاته العميقة، حيث الاستقطابات السياسية الداخلية بين التيارات الليبرالية والمحافظة، وتزايد القلق من فجوة تتسع بين الطبقات الاجتماعية الأميركية وتزعزع العدالة الاجتماعية، وتراجع معدلات النمو في الاقتصاد الأميركي، وصعود التوجهات اليمينية الرافضة للعولمة وللاتفاقات التجارية والشراكات الاقتصادية، إضافة إلى تهديدات الإرهاب، وتوتر العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها، مع تراجع صدارة الولايات المتحدة وبروز كل من الصين وروسيا وإيران وتزايد نفوذهم إقليميا ودوليا.
فضلا عن أن التعامل مع تلك التحديات والنجاح في التغلب عليها هو في حد ذاته من التحديات الصعبة، خاصة أن ترامب يتعامل مع واقع معقد وغير مستقر، ويتضمن تحديات غير تقليدية، في ظل قيود مؤسسية تفرض عليه عدم تجاوز حدود الاختصاصات الدستورية، والالتزام بمبادئ الفصل بين السلطات، والتوازن والرقابة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، ما يعوق قدرته على حسم عدد كبير من القضايا والمشاكل.
تنوع تحديات الداخل
تتنوع وتتعدد التحديات الداخلية التي تواجه الرئيس ترامب ويأتي في مقدمتها: حالة الانقسام التي تسود المجتمع الأميركي والتي عكستها بوضوح المظاهرات التي تشهدها بعض المدن الأميركية احتجاجا على فوز ترامب، ولم تكن هذه المظاهرات وليدة اللحظة الراهنة، إذ شهد المجتمع الأميركي فترة ممتدة من الانقسامات الداخلية نتيجة التدافع بين التيارات الليبرالية والمحافظة فيما يتعلق بقضايا مثيرة للجدل، مثل الحق في حمل السلاح والحريات الفردية والرعاية الصحية ومنظومة العدالة الجنائية وحقوق الأقليات، بالإضافة إلى تفجر المواجهات العنيفة بين المواطنين السود والمنتمين للأقليات والشرطة.
ويرتبط التحدي الثاني بغياب العدالة الاجتماعية، إذ شهدت الولايات المتحدة الأميركية تزايد عدم المساواة في الدخول بين الأفراد، واتساع نطاق الفجوة الفاصلة بين الطبقات الاجتماعية.
وحذر تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي في يونيو 2016 من تزايد الفقر وانعدام المساواة في الولايات المتحدة، باعتباره يعوق قدرة الاقتصاد الأميركي على النمو.
ووفقا لكريستين لاغارد، مديرة صندوق النقد الدولي، فإن الاستقطاب الاجتماعي والفقر سيؤديان الى تآكل قواعد النمو الاقتصادي.
أما وفقا لجيسون فورمان، رئيس مجلس الاستشاريين الاقتصاديين للبيت الأبيض، فإن نسبة 1% من المواطنين الأميركيين تستحوذ على 18% من إجمالي الدخل القومي بعدما كان نصيبها لا يتجاوز 8% من الدخل القومي في عام 1973، كما تجاوزت نسبة الفقر بين المواطنين الأميركيين نحو 14%، وفقا للإحصاءات الرسمية.
أما التحدي الثالث فيتعلق بتباطؤ النمو الاقتصادي، والذي هو أصل العديد من التحديات الاقتصادية الأخرى في الولايات المتحدة، منها مشكلة الارتفاع البطيء للأجور، وشعور العديد من الاقتصاديين بالقلق بشأن ارتفاع مستوى الدين القومي، حيث إذا كان الاقتصاد ينمو ببطء، فإن الدين يكون من الصعب سداده.
وبجانب ركود الأجور، فإن القضية الاقتصادية والأكثر تأثيرا تتمثل في الارتفاع السريع في الدين، حيث تشير التقديرات إلى ارتفاع الدين إلى نحو 20 تريليون دولار بنهاية السنة المالية 2016، مما يجعل تكلفة خدمة تلك الديون عبئا على الأجيال القادمة، كما أن معظم الأميركيين يرفضون رفع الضرائب، وعدم خفض الإنفاق الحكومي، ناهيك عن مشكلة التوظيف.
ويتمثل التحدي الرابع في صعود الاتجاهات القومية واليمينية في العالم وتحولات ضاغطة أدت لانحسار موجات العولمة، وهو ما يستدل عليه بتصويت غالبية المواطنين في بريطانيا لصالح الانفصال عن الاتحاد الأوروبي في الاستفتاء الذي أجري في يونيو 2016، وتزايد ضغوط التيارات اليمنية المتطرفة في دول أوروبا بإغلاق الحدود، ومنع تدفقات المهاجرين.
ولم تكن الولايات المتحدة استثناء من هذا الاتجاه، إذ شهدت اتجاهات متصاعدة لرفض اتفاقات التجارة الحرة والشراكة الاقتصادية مع دول الجوار، خاصة اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي، التي واجهت رفضا متصاعدا من جانب عدد كبير من المواطنين بدعوى تأثيرها السلبي في فرص العمل والقطاع الصناعي داخل الولايات المتحدة.
كما تبنى آخرون دعوات لفرض إجراءات حمائية لصالح الاقتصاد الأميركي لحمايته من المنافسة مع الدول الأخرى، التي تتعمد اتباع ممارسات غير تنافسية لتخفيض أسعار منتجاتها، مثل الصين، وهو ما يزيد من اتجاهات الارتداد بالداخل وتفكيك مؤسسات التكامل الاقتصادي.
كما تصاعد رفض المحافظين لتدفقات الهجرة للولايات المتحدة بالتوازي مع انتشار موجات العداء للأجانب وثقافة الكراهية، وهو ما يهدد ثوابت النموذج الأميركي القائم على الإفادة من تدفقات الهجرة في إثراء التنوع الثقافي والاجتماعي، واستيعاب الاختلاف، والتعايش بين المنتمين للثقافات والديانات المختلفة.
أزمة التحديات الخارجية
لا شك أن تسارع الأحداث وتطورها، وضع الولايات المتحدة أمام تحديات خارجية جدية تهدد نفوذها في العالم وهذه التحديات تفوق قدرة الرئيس ترامب على مواجهتها من دون توافق سياسي داخلي لا يبدو أنه يمكن أن يتوافر في أي وقت قريب، خصوصا أن الهوة بين الجمهوريين والديموقراطيين ستزداد عمقا، فضلا عن أنه سيكون من الصعب رأب الصدع والشروخ التي أصابت الحزب الجمهوري بعد بروز «ظاهرة ترامب» التي ستبقى موجودة حتى ولو لم يكن ترامب على رأسها.
أول التحديات الخارجية: اختلال موازين وهيكل التحالفات وترجع الثقة في أميركا.
فقد تعرضت علاقات الولايات المتحدة مع حلفائها لأزمات متعددة بسبب نهج السياسة الخارجية لإدارة الرئيس أوباما، حيث انتهج أوباما مبادئ التشارك في التكلفة والقيادة من الخلف، والإحجام عن التدخل العسكري للتصدي للتهديدات.
وتسببت سياسة أوباما في تراجع الثقة في الولايات المتحدة كحليف يمكن الاعتماد عليه، وصعود دور القوى الإقليمية في التصدي للتهديدات وتحقيق الأمن الإقليمي، الأمر الذي ينطبق كذلك على حلف الناتو، الذي بات يواجه تهديدات لتماسكه نتيجة لاختلال توزيع الأعباء بين الحلفاء، ورفض الولايات المتحدة تحمل التكلفة العسكرية الأكبر داخل التحالف.
ثاني التحديات على المستوى الخارجي، تراجع الصدارة والانفراد الأميركي في ظل صعود قوى إقليمية ودولية أخرى، إذ اتجهت كل من الصين وروسيا للتمدد عالميا استغلالا للارتداد الأميركي نحو الداخل، ورفض الولايات المتحدة أداء أدوار التدخل التقليدي التي فرضها نظام الأحادية القطبية، حيث كشف الصدام الروسي ـ الأوروبي عقب التدخل العسكري الروسي في شبه جزيرة القرم وشرق أوكرانيا عن اتباع الولايات المتحدة سياسة «الاحتواء الناعم» إزاء روسيا، وهو ما تجلى في عدم الاعتراض على التدخل العسكري الروسي في سورية.
كما تجنبت الولايات المتحدة الصدام المباشر مع الصين، على الرغم من تمددها العسكري في بحر الصين الجنوبي، وهيمنتها على الجزر المتنازع عليها مع دول الجوار، وهو ما يزيد من حالة انعدام الثقة في قدرة الولايات المتحدة على تحمل تبعات القيادة العالمية.
وبات على ترامب مواجهة القوى التالية: روسيا الاتحادية، التي لم تتوان في استخدام القوة العسكرية في أكثر من منطقة في العالم، لتشكل عائقا أمام الطموح الأميركي في المنطقة، على الرغم من الرسالة الإيجابية التي أطلقها ترامب تجاه روسيا، فإن واقع تقاطع المصالح بين الدولتين سيبقي الحرب الباردة بينهما قائمة.
والصين، التي تفرض أمرا واقعا في شرق آسيا من خلال بناء القواعد العسكرية فوق جزر متنازع عليها، إضافة إلى اقتصادها العملاق وما يسببه من منافسة حقيقية للإنتاج الأميركي في الأسواق العالمية.
وكوريا الشمالية وإيران، وتجاربهما للصواريخ البالستية، تلك التي غيرت بمفاهيم الصراعات الدولية، وأن امتلاك هذه الصواريخ المجهزة برؤوس نووية، والعابرة للقارات بات خطرا حقيقيا أمام النفوذ الأميركي في آسيا، الأمر الذي يجعل من الديبلوماسية الأميركية أكثر واقعية في التعاطي مع هذه الدول.
وعلى الرغم من جدية الرئيس المنتخب ترامب في تطبيق سياسته، فإن العالم يعيش أزمات تتفاقم بشكل سريع في ظل نظام عولمي عكس مشكلاته على الدول كافة، حيث ستنعكس على الجهود التي ستبذلها الإدارة الجديدة في معالجة الأزمات الداخلية في أميركا.
ناهيك عن التحدي الأكبر وهو الإرهاب العالمي، ومع تزايد أنماط الإرهاب الفردي، وتبني المنتمين لتنظيم داعش تكتيكات جديدة تقوم على توظيف الموارد والإمكانات المتاحة كافة لتنفيذ هجمات غير متوقعة، أصبحت ظاهرة الإرهاب غير قاصرة على الإرهاب الخارجي بل الإرهاب الداخلي قد يكون هو الأساس.
ومن ثم لم يعد ممكنا أن تتعامل الولايات المتحدة مع التهديدات الإرهابية باعتبارها تهديدات خارجية يمكن احتواؤها والتركيز على منع وصولها للداخل الأميركي، بل بات الإرهاب الداخلي عبئا ثقيلا على كاهل الرئيس ترامب.
ومن المؤكد أن يكون التعامل الاستباقي مع بؤر التطرف والإرهاب والتصدي لتمدد التنظيمات الإرهابية في العالم في صدارة أولويات الرئيس ترامب.
يبقى القول بأن الرئيس ترامب يقف أمام مفترق طرق يتمثل في كيفية التوفيق والمزاوجة بين رفع شعار «أميركا أولا»، الأمر الذي قد يزيد من عزلة أميركا في العالم، وهو ما يضعف دورها على كافة الصعد، وبين الانفتاح على العالم، الأمر الذي سيفاقم الكثير من الأزمات عليه، خصوصا أن إدارة أوباما لم تقدم سياسة جديدة لمعالجة هذه التحديات والقضايا.