أكد العلامة المغربي الشيخ محمد الشريف السحابي على أن التعليم الديني أمانة ثقيلة لا يصلح فيها التعليم الا بالرفق واللين وان ما لمسه في دولة الكويت من اهتمام بالغ بحفظ وتلاوة وتفسير القرآن الكريم شيء عظيم، مشيرا إلى مشاريع جمعية المنابر القرآنية المتعددة والتي أبهرته مثل مشروع مواهب القلوب لتعليم ذوي الاحتياجات الخاصة ومشروع «مصحف البصيرة» ومشروع «أم الكتاب» وقال خلال حواره لـ «الإيمان» خلال زيارته الأولى لدولة الكويت بدعوة من جمعية المنابر القرآنية إن سعادته لا توصف بهذه الزيارة والتعرف على أهل الكويت الكرماء وعلى الثقافة الإسلامية بالكويت، وتطرق إلى بدايته في الحفظ والى عدة مواضيع تهم القارئ والى نص الحوار.
من هو محمد الشريف السحابي؟
٭ انتمي الى قبيلة بني عُبيد زعير ضواحي مدينة الرباط، وولدت عام 1370هـ، حفظت القرآن وعمري 11 سنة، ثم رحلت في طلب العلم لأول مرة الى مدينة وزان، فحفظت الآجرومية وألفية ابن مالك ومنظومة المرشد المعين في الفقه المالكي وغيرها، ومنذ أن سمعت أحد العلماء يقرأ بالقراءات واستغربت ذلك، إلا وقد تنامى في قلبي الإصرار على البحث عن قراء المغرب لتحصيل هذا العلم النادر، فرحلت الى سيدي الزوين بمدينة مراكش فأتممت القراءات كلها واتقنت «العشر الصغير» التي لا تُعرف إلا في المغرب بأسانيد صحيحة الى الداني ثم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبعد ذلك درست في دار الحديث الحسنية وغيرها.
ما أهم إنجازاتكم ومؤلفاتكم؟
٭ حصلت على المركز الأول لحفظ القراءات في جائزة الملك الحسن الثاني والمركز الأول في حفظ موطأ الإمام مالك، وأسست مركز ابن القاضي للقراءات وجمعية ابي شعيب الدكالي لعلوم القرآن، وأشرفت مع العلامة عبدالهادي حميتو على طباعة مصحف الملك محمد السادس. وأما مؤلفاتي فأهمها تحقيق كتاب التعريف للإمام الداني، وشرح عقد الدرر لابن غازي وشرح الشاطبية وشرح الدرر اللوامع.
لقد عُرف الشيخ السحابي بدماثة خلقه وحلمه على طلبته لو حدثتنا عن هذا الجانب؟
٭ أمانة التعليم هي أمانة ثقيلة ولا يصلح التعليم إلا بالرفق وكم رأينا لطلبة العلم من أخطاء كثيرة لم نصلحها لهم إلا باللين والحكمة، ولقد أدركنا من كبار العلماء من يشرف على مئات من الطلبة، ومعلوم أن المبتدئين تغريهم بعض النزعات بينهم فلا يجدون من أولئك العلماء إلا القدوة الرائعة في تربيتهم ومع الأسف الشديد نحن في عصر نعاني فيه كثيرا من ندرة القادة المربين فنجد غالب الطلبة ينشأون بقليل من العلم وكثير من الشراسة في تصرفاتهم، لذا ترى منهم النزق والطيش واحتقار الآخر والزهو على الناس وبعضهم يزدري أئمة الإسلام والله المستعان.
أنشأتم مركز ابن القاضي للقراءات فما برنامج التعلم عندكم وما احتياجاتكم؟
٭ نحن في المملكة المغربية منذ أزيد من ألف عام نطلب العلم ونحفظ القرآن والمتون، كل ذلك باستعمال الالواح الخشبية ولذلك عُرفت عندنا مقولة: «ما نزل من اللوح لا يحفظ إلا باللوح» وهذا الذي تجده في كل المدارس العتيقة، ومنها المدرسة التي أنشأتها «مركز ابن القاضي للقراءات» وجمعية ابن شعيب الدكالي. يبدأ الطالب الصغير بحفظ القرآن على اللوح مع رعاية تامة للمقرئ المحفظ، ويسمى عندنا (الدرار) فيلقنه الخط ورسم المصحف والتلاوة الصحيحة، وبعد إتمام الختمة الأولى، يقوم الطالب بالانتقال الى تكرار ختمة أخرى لاتقان الحفظ مع الرسم والضبط وشيء من علم القراءات، ثم ينطلق الى العلوم الشرعية، وقد يتخصص بعضهم في علم القراءات، فيحتاج حينئذ الى ختمات أخرى على اللوح، اضافة الى حفظ المتون المقررة، وللاختصار وللاطلاع على المنهجية المغربية يمكنكم الرجوع الى كتاب «حياة الكتاب وأدبيات المحضرة» للعلامة عبدالهادي حميتو.
كم عدد المستفيدين من المركز؟
٭ يستفيد من مركز ابن القاضي للقراءات أكثر من 1130 طالبا، منهم الطلبة الذين يأتون ضيوفا من خارج المغرب أو من مناطق بعيدة، فنحن وفّرنا لهم المبيت والمؤونة مجانا، ومنهم الطلبة الآتون من ضواحي مدينة الرباط او المناطق القريبة من كلا الجنسين صغارا وكبارا، فهؤلاء جميعا يستفيدون من المدرسة العلم والتربية والقرآن وعلومه، وفيما يتعلق بحاجيات المدرسة فأولها اكتظاظ الطلبة فيها، والأمر يتطلب التوسعة وتوفير أماكن لإقامة الطلبة الوافدين الذين يتزايدون يوميا، اذ فاق عدد المتخصصين في القراءات 280 طالبا يأتون ضيوفا على المدرسة، ما يستدعي توفير القوت اليومي وما يتبع ذلك من امور النظافة والمبيت، وليس للمدرسة اي دخل مادي سوى ما يتعاون عليه مشرفو هذا المركز مع بعض معارفهم من المحسنين، ولا يكاد يغطي ذلك الا القليل من حاجيات المركز.
عرف عنك بذل كل أموالك في سبيل تعلم القرآن الكريم، ممن تعلمت ذلك؟
٭ لقد بذل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام أموالهم وأنفسهم في سبيل الله، فذهبوا وبقيت آثار انجازاتهم، وامتد الدين حتى عم مشارق الأرض ومغاربها، ولذلك ينبغي للمسلم الا يلهيه التكاثر فيكون جماعا للمال، بل يجب ان ينظر الى الاخرة، فقد روى البخاري ومسلم عن اسماء ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أنفقي ولا تحصي فيحصي الله عليك»، ونرى الامام ابن حبان قد ترجم هذا الحديث بقوله: «ذكر الزجر عن ان يوعي المرء بعض ماله اذ الله جل وعلا يوعي على من جمع ماله فأوعى».
ما أهم المشاريع في جمعية المنابر التي ستنقلها الى المغرب؟
٭ استوقفتني مشاريع جبارة في جمعية المنابر مثل مشروع مذاهب القلوب لتعليم ذوي الاحتياجات الخاصة، ودهشت بمصحف «البصيرة» كما استوقفني كثيرا مشروع «أم الكتاب» لتصحيح سورة الفاتحة، وقلت في نفسي كيف فاتنا هذا المشروع في المملكة المغربية رغم كونه من أولى الأولويات التي يجب على الأمة ان تتضافر عليه جهودها من اجل تصحيح ركن من اركان الصلاة وهو قراءة سورة الفاتحة، لذلك فاني عازم كل العزم على نقل هذه الفكرة الى المملكة، وهي تصحيح سورة الفاتحة لعموم المسلمين، لانه حقا تعاون على البر والتقوى وتعليم الناس ما يجب عليهم في دينهم، كذلك أعجبني مشروع «قرآن الفجر» الذي يهدف الى حث الناس على المحافظة على صلاة الفجر في المساجد كما يحافظون على صلاة الجمعة، ولا ريب في أن هذا تحقيق لمقاصد تشريع الصلاة والتكافل الاجتماعي والنهوض بالأمة الاسلامية الى سمو الروح وريحان التقوى وتزكية النفس.
ما رأيكم في النشاط العلمي في الكويت؟
٭ الكويت أرض مباركة وشعبها كريم مضياف، وهم يقتدون بنبينا صلى الله عليه وسلم الذي يجود بالخير كالريح المرسلة ويتأسون بقائد العمل الانساني صاحب السمو الأمير صباح الأحمد، حفظه الله ورعاه، وكل ذلك يخلق روحا من التعاون والتكامل بين مؤسسات هذه البلاد المعطاءة، ولا شك ان اهم ما يلاحظ في الكويت تنوع النشاط العلمي من رعاية للمسابقات القرآنية والدورات العلمية وطباعة الكتب كالموسوعة الفقهية التي يسرت على الباحثين الوصول الى المعلومة، ومشاركة الكويت في رعاية الانشطة العلمية والدعوية في دول افريقيا وآسيا وأوروبا، ولو اردنا ذكر مناقب الكويت وفضائلها على الدول الاسلامية لما وسعتنا مجلدات.
قلتم في مشروع أم الكتاب «تصحيح قراءة الفاتحة» انه مشروع الأمة الاسلامية كلها، كيف ذلك؟
٭ تعلمون ان الفقهاء قاطبة مجمعون على ان من أخطأ في الفاتحة مثل ترك شدة او ترقيق مفخم او تحريف حرف فإن صلاته تبطل، ونورد هنا كلام الامام ابن المنذر في كتابه الاوسط قال: «لا يكون المرء قارئا الا ان يقرأ كما انزله الله عز وجل ثناؤه، فمن قرأ على غير ما انزل الله فغير مجزئ عنه صلاته، اذ قارئه قارئ خلاف ما انزل الله في كتابه وقرأ رسوله صلى الله عليه وسلم».
ما تعليقكم على اختيار الكويت عاصمة الثقافة العربية؟
٭ عرفت الكويت منذ زمن طويل بانها بلد الثقافة وأتذكر انني في السبعينيات كنت انتظر ان تصلني مجلة «العربي» التي كان رئيس تحريرها وقتها أحمد زكي، وكذلك مجلة «الوعي الاسلامي» وغيرها من المجلات، فحقا الكويت محل للثقافة ومركز لها، وهذا صحيح لان هذه الثقافة الاسلامية نشأت منذ القدم في الكويت، ومازالت حتى الان، واي دولة فيها تنوع ثقافي مثل الكويت هي مركز للاقطار الاسلامية كلها.
في هذه المدة التي قضيتها في الكويت لاول مرة ما انطباعك؟
٭ هذه الأيام من اسعد ايام حياتي لما لقيته من كرم وترحيب وتكريم واهتمام، وبهرني ما رأيته من مراكز اسلامية وجمعيات وحلقات قرآنية منتشرة في انحاء هذا البلد الكريم، ما يدل على ان الكويت فيها الخير الكثير، وسوف انقل كل ما رأيته وعشته الى المغرب من افكار متميزة متطورة في خدمة القرآن والقراء والتفسير، انها حقا جهود مشكورة.
وما اوجه الشبه بين هذه الانشطة وما لديكم بالمغرب؟
٭ أنشأ جلالة الملك معهد القراءات، وعليه اقبال متميز خاصة من النساء اللاتي يتميزن على الرجال في الحفظ والحضور، ولدينا مركز ابن القاضي للقراءات الذي انشئ منذ اكثر من 37 عاماً في مدينة «سلا» قرب الرباط، وهذه المدينة لها تاريخ في القراءات.