كنا قد تناولنا في العدد السابق اتجاهات الأفلام الوثائقية أو التسجيلية بتعريفها وجزء من اتجاهاتها واليوم نكمل هذه الاتجاهات، حيث سنتناول الاتجاه الواقعي.
ليست الواقعية مجرد تقديم الشخصيات المألوفة والشائعة والموضوعات المستمدة من الطبيعة والواقع فحسب، وإنما تكشف أيضا عن فردية البشر وتشابههم في آن واحد. والواقعية في الفن تنبه الناس إلى جمال الطبيعة والبشر وتهتم أساسا بتصوير العلاقات الاجتماعية التي ينشغل بها الناس والقوى التي تتحكم فيهم والروابط والمصالح المشتركة بينهم.
ويستمد الاتجاه الواقعي في مجال الفيلم التسجيلي مادته الفيلمية من الواقع المباشر لحياة المدن والقرى والأزقة والمصانع والأسواق والمستشفيات، إلى غير ذلك من الأماكن في محاولة لإبراز ما يكمن تحت السطح وإلقاء الضوء على الأسباب والمسببات، وهو بذلك يتولى خلق الشعر وإيجاده في ميدان لم يسبق لشاعر أن طرقه من قبل، حيث تبدو مادة الواقع العادي بعيدة عن أن تكون موضوعا لعمل فني، وهي بهذا لا تحتاج إلى الذوق السليم فحسب، بل إلى الإلهام أيضا، أي إنها تحتاج إلى جهد شاق خلاق ينفذ إلى الأعماق كما يصدر عن تأثير عميق.
ولهذا يمكننا القول إنه بظهور الاتجاه الواقعي في مجال الفيلم التسجيلي أمكن تصوير الإنسان ومشكلاته وقضاياه في مواجهة الحياة العادية اليومية وجنون المدينة بتناقضاتها العديدة، أي إن الاتجاه الواقعي يمثل أنقى درجات الواقعية في مجال الفيلم التسجيلي.
ويعطى مثالا على هذا النوع الفيلم الفرنسي «لا شيء غير الزمان» الذي قدم عام 1926 للمخرج لكانتي، وهو أول فيلم عن حياة مدينة باريس، والذي كشف إمكانية التعبير عن واقع المدينة بكل تناقضاته.