يعرض كتاب «الكويت.. سياسات الريع وتحديات الاصلاح» لعامر ذياب التميمي مراجعة لفلسفة السياسات الاقتصادية الحكومية منذ بدء عصر النفط باستعراض تاريخي لتطور السياسات الاقتصادية منذ 1946، مؤكدا قصور السلطة التشريعية والمجتمع المدني في نقد فلسفة السياسات الاقتصادية والاقتصار على مناقشة تفاصيل دون التركيز على الفلسفة الرئيسية لتلك السياسات والتي ركزت على توفير مستوى معيشي افضل للكويتيين بشكل مباشر من توزيع اراض ومساكن وتوفير وظائف حكومية دون ان يتم توجيه فوائض النفط لتحقيق تنمية اقتصادية حقيقية وشاملة تمكن المجتمع الكويتي من مواجهة التحديات المستقبلية وتجعله مستعدا لأي تغيرات اقتصادية على المستوى العالمي لما يعرف باقتصاديات ما بعد النفط.
كانت الكويت كذلك، كانت قبل عهد النفط، مركزا مهما لإعادة التصدير، وقد أكد ذلك الشيخ عبدالعزيز الرشيد في كتابه القيم «تاريخ الكويت»، والذي صدرت الطبعة الأولى منه في عام 1926، على أن معظم السلع والبضائع المستوردة من الهند وفارس والعراق واليمن تتم اعادة تصديرها إلى البلدان المجاورة، خصوصا نجد.. وقد واجهت الكويت أزمة اقتصادية في عشرينيات القرن الماضي، عندما فرض حكام نجد حصارا على تجارتها مع نجد والاحساء 1، ولذلك فإن الطبقة التجارية في الكويت كونت خبرات مهمة في التعامل مع المصدرين والمستوردين في مختلف الأقطار التي تعاملت معها الكويت.
بطبيعة الحال، لم تكن هناك موارد مالية مهمة للخزينة العامة، ما دفع الإمارة لتحصيل رسوم جمركية وبعض الضرائب والرسوم على الأعمال الحكومية مثل رسوم البلدية وتسجيل العقار واستخراج الشهادات الرسمية المختلفة، إلا أن تلك الأموال المحصلة لم تكن كافية لكي تواجه السلطة مسؤولياتها في الأمن وإدارة المؤسسات المدنية وتحمل أعباء الحكم بشكل مناسب، ومن هذه الأعباء توفير المال للإنفاق على التعليم الذي بوشر به بشكل جاد منذ تأسيس المدرسة المباركية في عام 1911 واتخذ طابعا هيكليا ورسميا عام 1936، وعلى الرغم من هذه الأوضاع المالية الصعبة، فإن الكويت ظلت مهتمة بتطوير القدرات المهنية والثقافية لأبنائها، وتحملت ابتعاث عدد من الكويتيين إلى العراق ومصر لتلقي التعليم الثانوي ثم الالتحاق بالجامعات والتخصص في مختلف العلوم والآداب، وربما كان ذلك من أهم الاستثمارات التي مكنت البلاد من مواجهة أعباء الإدارة خلال السنوات اللاحقة عندما توافر كادر متعلم، وان كان محدود العدد، ثم تسليمه مهام أساسية.
في نهاية أربعينيات القرن العشرين وفي بداية عهد النفط، ساهم كثير من العمال الكويتيين في تأسيس أعمال صناعة النفط في البلاد وتمكنوا من كسب خبرات في مختلف أعمال التنقيب والاستكشاف والحفر والتخزين وأعمال الموانئ ذات الصلة بالتصدير، كما تعلموا عمليات المطافئ والصيانة والسلامة الصناعية، وربما لم يكن هناك من منافس لشركة النفط في عمليات التوظيف سوى الحكومة بعد أن بدأت بتوظيف المواطنين في الدوائر الحكومية.
مع توافر الايرادات توسعت الحكومة في الانفاق على نشاط التعليم وتم إحضار العديد من المدرسين من مصر وفلسطين وغيرها من بلدان عربية مشرقية، نظرا لتدفق الأطفال على المدارس وتزايد اعداد التلاميذ، وجرى تطوير مراحل التعليم الابتدائي والاعدادي والثانوي.. ولا شك ان عمليات الإنفاق الحكومي على برامج الصحة والتعليم كانت مستحقة وأساسية، حيث لم تكن هناك خدمات تعليمية وصحية مناسبة قبل توافر الأموال لدى الحكومة تمكنها من تعزيز الخدمات المذكورة التي إن وجدت فقد كانت فقيرة بالمعايير التقليدية.
وعلى مستوى الاسكان قررت الحكومة استملاك منازل المواطنين داخل المدينة وتعويضهم بشكل مجز ومنحهم قسائم وقروضا لبناء مساكن في المناطق التي تم إعدادها على أطراف المدينة، وعندما انتهى عقد الخمسينيات من القرن الماضي لم يكن هناك العديد من الأسر الكويتية داخل المدينة.
التساؤل المهم، الآن هل يمكن اعتبار ما أنجز تطورا تنمويا نموذجيا يقتدى به ويمكن الكويت من مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية المتوقعة، أو المنتظرة، في المستقبل؟ وإذا كانت تلك السياسات، كما أوردت آنفا، قد أقرت لرغبة في تحسين مستوى أحوال الكويتيين ومعيشتهم والارتقاء بهم، فكيف يمكن ان تكون هناك سياسات افضل تمكن من تحسين المعيشة وتعزز القدرة من مواجهة التحديات؟.
كذلك تساءل الكتاب: من تولى صياغة تلك السياسات ونصح الإدارة السياسية بتبنيها، وما دور مجلس الأمة الذي أصبح يلعب دورا محوريا في حياة الكويتيين منذ عام 1962، أي بعد بداية عصر النفط بـ 16 عاما؟ وان جميع القوانين، وبعضها صدر قبل الاستقلال، لابد انها مرت على مجلس الأمة اضافة الى نقد القصور في الأداء الحكومي وعدم تحقيق أهداف تنموية واضحة وغير ذلك من انتقادات تنطلق من مجلس الأمة أو من مؤسسات المجتمع المدني، أو من أفراد نشطين في المجتمع السياسي داخل البلاد.
وهنا يخلص الكتاب الى ان الانتقادات لم تتطرق الى فلسفة السياسة الاقتصادية واعتباراتها التنموية، ولم تفلح تلك الملاحظات والانتقادات في طرح منهج بديل للعملية الاقتصادية وكيفية توظيف الموارد المالية والمادية والبشرية، وما اذا كان هناك من إمكانية لتبني سياسات اقتصادية مختلفة تؤكد أهمية تطوير الحوافز لدى الأفراد والمؤسسات وتنتشل الاقتصاد الكويتي من فلسفة الريع وتعزز فلسفة المبادرة والإبداع.