بيروت:
تثير مسألة خلافة الرئيس الفلسطيني محمود عباس قلق الفلسطينيين، خصوصا بعد تدهور وضعه الصحي ودخوله قبل أسابيع الى المستشفى بصورة مفاجئة، واهتماما واسعا لدى أطراف محلية وإقليمية ودولية عدة، بسبب ضعف النظام السياسي الفلسطيني وتفككه الناجمين عن الانقسام الوطني وتوقف عمل المجلس التشريعي والانتخابات منذ أكثر من عشرة أعوام.
وينص القانون الأساسي (الدستور) الفلسطيني على أنه، في حال خلو منصب الرئيس يتولى رئيس المجلس التشريعي رئاسة السلطة مدة شهرين تجرى خلالهما انتخابات رئاسية. وتم تطبيق هذا النظام عقب وفاة الرئيس السابق للسلطة ياسر عرفات عام 2004.
حينها فاز عباس، مرشح حركة «فتح»، بمنصب الرئيس في الانتخابات الرئاسية التي أجريت في يناير عام 2005 .
لكن المجلس التشريعي توقف عن العمل، وكذلك الانتخابات العامة توقفت بصورة تامة عقب الانقسام الذي سيطرت خلاله حركة حماس على قطاع غزة بالقوة في يونيو عام 2007.
في الواقع، هناك الكثير من التعقيدات تسود المشهد السياسي الفلسطيني الحالي، ربما هي الحالة الأكثر تعقيدا منذ تأسيس السلطة الفلسطينية عام 1994، ويتجلى ذلك في صعوبة إدارة النظام السياسي الحالي وعدم الوضوح حول مستقبله، وعدم اليقين حول قدرة السلطة الخروج من المأزق الحالي، وسط حالة من الانقسام السياسي والإداري والجغرافي، وربما يتبعه الفصل القانوني والسياسي بفعل الانقسام بين غزة والضفة الغربية أي بين حركتي فتح وحماس.
ويتزامن ذلك مع ما يدور في المنطقة من حروب وصراعات داخلية تؤثر في الوضع الفلسطيني، خاصة مع البدء في صياغة التحالفات والمحاور الإقليمية، ووسط انكفاء دولي عن الاهتمام الكافي بالقضية الفلسطينية كقضية محورية من قضايا السلم والأمن الدوليين.
ولكن أبرز هذه التعقيدات أن هناك حالة من الجدل ليس فقط سياسيا، ولكن امتدت إلى الصراع على مشروعية التمثيل وشرعية القيادة، وبروز توجه نحو سحب، أو على الأقل تقليص شرعية الرئيس عباس.
قبل أعوام، أدرك معاونو عباس ومساعدوه ورفاقه في حركة فتح ضرورة اختيار نائب للرئيس، وذلك خشية فوضى محتملة بعد غيابه عن المشهد من دون سابق إنذار، ومن دون أن يكون له نائب.
إلا أن عباس لم ينشغل بالأمر ولم يكن على عجلة من أمره إلا الآن، نتيجة تدخلات عربية ضغطت عليه بشكل غير مسبوق من أجل إنجاز مصالحة مع العدو اللدود محمد دحلان، وإعادة تنظيم حركة فتح لتستمر كحزب قائد للسلطة.
ترافق ذلك مع دور مصري- أردني لمنع حدوث فوضى بعد أي اختفاء مفاجئ للرئيس أبو مازن، بحسب صحيفة «الشرق الأوسط اللندنية».
ولكن هذا التدخل أثار غضب عباس بشكل كبير، إذ إنه ليس في وارد إعطاء دحلان أي موطئ قدم، فقرر الرد بطريقته الخاصة، وهي إخراج دحلان والمحسوبين عليه خارج فتح إلى الأبد، وانتخاب قيادة جديدة تأتي بالنائب المرتقب، فسارع الى ترتيب البيت الداخلي، عبر عقد المؤتمر السابع للحركة، لاختيار رئيس للحركة ونائبه، وأعضاء اللجنة المركزية والمجلس الثوري، علما أن الانتخابات الفتحاوية التي جاءت بلجنة مركزية جديدة، سبقت انتخابات أخرى مرتقبة في منظمة التحرير الفلسطينية، من أجل ترسيم لجنة تنفيذية جديدة.
ووفق المنطق الفتحاوي، فإن أي رئيس قادم يجب أن يكون عضوا في لجنة مركزية فتح وعضواً في تنفيذية منظمة التحرير. ولكن يتوقع أن يلاقي هذا المسعى معارضة كبيرة من حركة حماس التي تعتبر أن الرئيس الفلسطيني القادم بعد رحيل محمود عباس هو عزيز الدويك بصفته رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني، كما نص عليه القانون في السلطة الفلسطينية.
قبل اختيار قيادة جديدة لفتح، كان يمكن التنبؤ بأسماء كثيرة، بعضها جاء من جهات عربية، مثل محمد دحلان وناصر القدوة عضو اللجنة المركزية للحركة، لكن هذه الاقتراحات لم تلق قبولا عند أبو مازن.
كما كانت تطرح أسماء أخرى من بينها عضو مركزية فتح المعتقل في السجون الإسرائيلية مروان البرغوثي، ومسؤول المخابرات الفلسطيني ماجد فرج، وعضو اللجنة المركزية لفتح جبريل الرجوب، وأمين سر منظمة التحرير صائب عريقات، وآخرون. لكن مع إظهار نتائج مؤتمر فتح السابع، تعززت فرص البرغوثي والرجوب أكثر.
وتلا البرغوثي في تقدم قائمة المنتخبين جبريل الرجوب، مؤسس جهاز الأمن الوقائي في الضفة الغربية. والرجوب يعد أحد صقور الحركة، والأسماء المرشحة بقوة في فتح ليصبح نائبا لعباس، وهو بخلاف آخرين في اللجنة المركزية العدو اللدود للقيادي محمد دحلان.
ولكن القرار ليس فلسطينيا. صحيح أن عباس قطع خطوات مهمة في ترتيب بيته الداخلي، من أجل ضمان انتقال سلس للسلطة بعيدا عن أعدائه وداعميهم كذلك، لكن المسألة ليست بيد عباس فحسب، لأنه ليس الفلسطينيون وحدهم هم الذين يقررون.
العرب شركاء ولديهم مخاوف معينة، أيضا يوجد إسرائيل، ويوجد أيضا المانحون الذين يضخون الدم في عروق السلطة.
الرئاسة الفلسطينية ليست محصلة وضع فلسطيني فقط لأن الوضع الفلسطيني منقسم وضعيف، ولا ينتج مؤسسة أو مواقع في هذا المستوى بشكل طبيعي.
الأكيد أنه حتى مع اختتام مؤتمر فتح برسالة عباس بأنه من جيل «الرؤوس اليابسة»، في رسالة قوية إلى معارضيه، في الخارج والداخل، ملخصها أنه فعل ما يريد وسيقود بنفسه السفينة حتى محطته الأخيرة، وسيختار قائدها الجديد كذلك، فإن كثراً يتوقعون احتمالات عدة بعد غياب عباس، نتيجة الوضع الفلسطيني الضعيف والمنقسم أبرزه:
٭ الأول أن تتولى منظمة التحرير تعيين رئيس للسلطة في حال مغادرة الرئيس المنصب لأي سبب كان.
لكن هذا السيناريو يواجه تحديات كبيرة، منها صعوبة اتفاق قيادة فتح على مرشح واحد، وفي الوقت نفسه رفض حماس هذا الإجراء، وتمسكها بتولي رئيس المجلس التشريعي الذي ينتمي الى الحركة منصب الرئيس.
ويزيد الأمر تعقيدا التحالف الذي عقد أخيرا بين حماس ودحلان الذي عاد من بوابة قطاع غزة بعد التفاهمات الأخيرة مع حماس.
٭ الثاني يتمثل في وقوع خلاف داخل فتح في شأن الرئيس المقبل. ويقترح بعض قادة الحركة، في اللقاءات الخاصة، تقسيم المناصب القيادية الفلسطينية الى ثلاثة: رئاسة السلطة، ورئاسة منظمة التحرير، ورئاسة حركة فتح.
لكن التقديرات تشير الى أن الخلاف سيتركز على من يتولى منصب رئيس السلطة نظرا لأنه يتحكم بباقي المناصب القيادية في المنظمة والحركة بسبب استحواذه على عناصر القوة، وهي المال والسلاح (أجهزة الأمن).
ويقول مراقبون إن النظام السياسي ليس قويا مثلما كان عليه الأمر لدى رحيل عرفات.
٭ الثالث يتمثل في الخوف من الفوضى بعد عباس. ومن دون سلطة مركزية وغياب الانتخابات الديموقراطية ربما تؤول السياسة الفلسطينية إلى الجماعات المتطرفة لتسد الفراغ مثل حماس الذي يوفر لها ضعف فتح فرصة ذهبية لتعزيز مكانتها في هذا المجال.
في إسرائيل، خصوصا داخل المنظومة الأمنية فيها، تتصاعد المخاوف من تدهور صحة الرئيس عباس، ومن المستقبل الفلسطيني وتأثيره على زعزعة أمن كيانها. ويستعد المجلس الوزاري المصغر في إسرائيل للأمر ويجري مشاورات. ولكن المؤسسات الإسرائيلية منقسمة في شأن عباس، وهناك تياران:
الأول يرى أن بقاء عباس هو الأفضل لإسرائيل لأنه يجري تنسيقا أمنيا معها، فيما يرى التيار الثاني شخصا سيئا لإسرائيل. والرأي الأول هو السائد في إسرائيل.
وقد وضعت إسرائيل ثلاثة سيناريوات لمرحلة ما بعد الرئيس:
٭ الأول: اتفاق قيادة فتح على وريث وتسلم الحرس القديم السلطة، مثل صائب عريقات وماجد فرج وجبريل الرجوب، وهم من الشخصيات التي يمكن الافتراض أنهم سيواصلون التنسيق الأمني مع إسرائيل.
٭ الثاني: تسلم محمد دحلان السلطة.
٭ الثالث: وهو السيناريو السيئ جدا من ناحية إسرائيل وتخشاه، فهو الفوضى وملامسة الفلسطينيين لحرب أهلية وحروب وراثة السلطة، بما يشمل حركة حماس وجهات أخرى.
لكن الأمر الأكيد في هذه السيناريوهات هو وجود الفوضى وعدم الهدوء. وتتحسب إسرائيل لسيناريو آخر وهو قيام حماس بانقلاب للاستيلاء على السلطة.
والسيناريو شبه الوحيد الملائم للمصالح الإسرائيلية، هو أن يعيد الوريث إنتاج أبو مازن آخر، في مرحلة ما بعد عباس.