بدا مرزوق الغانم رئيس مجلس الأمة الكويتي في غضبته العفوية القصيرة في المؤتمر البرلماني الدولي شخصا قادماً من خارج زمن الانبطاح العربي.. وتحدث بمفردات لغوية صارت تحتاج إلى مترجم بعد أن أصبحت السيادة للغة العبرية في أمة الضاد.. وزاد من رجع الصدى أن صيحته جاءت وسط موات كامل من الوفود البرلمانية العربية البكماء.. قلت لمحدثي المندهش من أن يصدر هذا الموقف المساند للحق الفلسطيني من الوفد الكويتي بالذات: (من يعرف الكويت يا صديقي لا يندهش).. فالغانم مجرد فرع صغير في شجرة وارفة من الخير بلا منّ، والصفح بلا عتاب، والعطاء بلا دعاية.
بادئ ذي بدء، فإن الرجل يرأس برلمانا حقيقيا في بلد يتنسم بالحرية وليس كتلك البرلمانات المخلقة في معامل الأجهزة السيادية في معظم بلداننا العربية.. وهو برلمان قديم قدم الدستور الكويتي مما راكم خبرة قلما توجد في برلمان عربي آخر.
الكويت بلد صغير المساحة والتعداد.. ولكن أكبر ما فيه قلبه.. ولعل الله يحفظه بذلك ولذلك.. وقد سمعت الشيخ الشعراوي يقول ما معناه لعل الله اختص هذه البلاد بالخير (البترول) لأنه يعلم أن في أهلها خيرا.. ينعمون به ولا يضنون به على الغير.. هذا بلد مضياف.. ثلاثة أرباعه من الضيوف الذين يصبغهم بروحه المتسامحة فيتعايشون على أرضه وقد نحوا خلافاتهم.. الهندي مع الباكستاني.. المسلم مع المسيحي مع البوذي.. السني مع الشيعي.. أما المصريون فمعظمهم يشعرون أنهم (أصحاب بيت) في هذا البلد مصري الهوى.. عائلات بأكملها ممتدة لأربعة أجيال متعاقبة.. وتمثل الكويت لهؤلاء شيئا أكبر من ختم الإقامة على جواز السفر.. شيئا به نكهة الوطن.. فالوطن ليس مجرد سطر في جواز سفر بقدر ما هو ذكريات طفولة وصبا وأصدقاء دراسة وعمل.
قبل عام نال أمير الكويت لقبا أمميا كقائد للخير.. وهي من المرات القليلة التي صدقت فيها المنظمة الدولية.. إذ لم أعرف بلدا تتنافس فيه الدولة مع الشعب في الخير المنزه عن الغرض مثل الكويت.. على مدى نصف قرن كانت الكويت هي البلد العربي الوحيد الذي يدعم أشقاءه دون توظيف سياسي.. بل دون دعاية.. أما على مستوى الشعب فلعل في ملحمة الطبيب الكويتي عبدالرحمن السميط تلخيصا لذات المعنى.. ذلك الرجل الذي أمضى معظم عمره يقدم العون المباشر والمشاريع التنموية لفقراء أفريقيا عبر مؤسساته الخيرية.
ما علاقة كل ذلك بموقف الغانم من الحق الفلسطيني؟.. بعد واقعة حديث الإفك، منع أبوبكر الصديق رضي الله عنه عطاء كان يجريه على واحد ممن خاضوا في سيرة ابنته أم المؤمنين.. فلما نزلت آية (ألا تحبون أن يغفر الله لكم) قال أبو بكر (بلى نحب) وأعاد الصدقة لمن أساء إليه.. ومع الفارق الكبير في التشبيه، إلا أنني أحسب أن هذا البلد وأهله ممن يحبون أن يغفر الله لهم.. كان الغزو البعثي المشؤوم، وما تزامن معه من تصريحات ومواقف غير مسؤولة من بعض القيادات الفلسطينية التي احتضنتها هذه الأرض الطيبة، بمنزلة طعنة مؤلمة تركت ندوبا في القلوب (وظلم ذوي القربى أشد مضاضة).. ولكن سرعان ما تسامى البلد المتصالح مع نفسه على الألم.. ولم يسمح لأخطاء القيادات بأن تؤثر على علاقات الشعوب.. وعلى المستوى الأهلي كان السميط نموذجا.. فرغم أنه تعرض للأسر والتعذيب في بغداد، إلا أنه كان من أوائل من عادوا لها بعد سقوط البعث مادا يد العون لأشقائه العراقيين.. أما فلسطين، فيعرف كل من اقترب من مجال الإغاثة الإنسانية في غزة أن الكويت كانت دائما هي الأسخى.. وتقريبا بلا دعاية بالمقارنة بمن لم يقدموا عشر معشار ما قدمت.
في هذا الإطار لا مجال للاندهاش مما فعله مرزوق الغانم.. المدهش ألا يفعل.. لله دره ودر الكويت.
[email protected]