سورة النور
ونحن مع سورة تحمل نور النور وتشع هذه الأنوار في كل كلماتها وآياتها بل وحروفها، سورة تبين الأخلاق الإسلامية والحدود البينة في معارضة الفساد ومواجهته، لأن الفساد حبيباتي يحطم ويدمر المجتمع، وفي المقابل العفاف والعفة تبني المجتمعات، وعليها يعول استقرارها، والفاحشة يعاقب عليها كل من الرجل والمرأة. ويلاحظ حبيباتي انه قدم الزانية على الزاني لأن المرأة هي التي تأتي بمقدمات الزنا، فإذا تبرجت وإذا أظهرت ما لا يظهر وسمحت للرجل بأن يتجرأ عليها تجرأ، وما ينتشر الآن في المجتمعات الإسلامية من التحرش الجنسي أعزكم الله وما تعاني الفتيات من هذا التحرش هو حقيقة لضعف الوازع الديني في نفوس هؤلاء الشباب ومراقبة الله.
برأها الله من سابع سماء
هذه السورة الكريمة أعظم براءة لأمنا عائشة رضي الله عنها وبيان لمكانتها في الأمة الإسلامية (إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم ... عظيم) الذي تولى كبره هذا هو المنافق عبدالله بن سلول رأس المنافقين حاول ان يثبط المسلمين في غزوة أُحد لما رجع هو بثلث الجيش حتى يحدث زلزلة في قلوب المسلمين، لكن حشاهم عن ذلك ان الله عصمهم، وهنا عصم زوج نبيه وبرأها من قول هذا المنافق.
لا تظن في المؤمن إلا الخير
يقول عز وجل: (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين)، الإفك يعني البهتان والكذب العظيم، وقد جعل الله في الآية قاعدة أساسية في الأصل، إن الأصل ألا تظن في المؤمن إلا الخير وهذا اليقين او الأصل لا يتغير إلا بيقين ودليل ثابت (لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء) الإنسان يظن انه يلقي الكلمة ويستصغرها وإذا بها عظيمة عند الله عز وجل، والناس تتفاوت في نفسياتها، فهل جاء الرامون على ما رموا به بأربعة شهداء عدول مرضيين.
فضل الله
(ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسّكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم)، يعني هذا الأمر غير هين عند الله وتستحقون فيه عذابا حالا لكن لولا رحمة الله التي سبقت عذابه لجاءكم العذاب.
مصيبة اللسان
(إذ تلقونه بألسنتكم) كأن هذا اللسان هو الذي يتلقى طيب الحقيقة، إن اللسان هو الذي يقول يُلقى ولكن من عظم تداول هذا الحديث وعظم هذا الكذب كأن اللسان هو الذي مفتوح ويتلقى فقط الكذب أمر عظيم (وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم..) حبيباتي، لابد من التوقف هنا، تحسبونه هينا وهو عند الله عظيم، هذه الكلمة فيها قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل، (الرجل هنا رجل وامرأة، فالعرب شأنها التغليب) إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يدري ما تبلغ، يعني يرمي الكلمة تهاونا ولا يدري ما تبلغ، يهوي بها في النار أبعد ما بين السماء والأرض»، وهذه مصيبة.
كلام أهل الإفك
(ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم) هكذا يجب على المسلمين حين يتلقون هذه الأخبار الشنيعة التوقف عن الكلام بقول ما علمه الله عز وجل، يقول ما يكون لنا أن نتكلم بهذا الموضوع غير مطروح للنقاش، منكرين لذلك معظمين لأمره ما ينبغي لنا وما يليق بنا هذا الكلام.
دروس عظيمة
(يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين)، حادثة الإفك فيها دروس عظيمة جــــمعتها لنا أختي د.مستورة المطيري من هذه الدروس: تعلم الصبر ويتجلى ذلك في صبر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما قيل في أهله، وصـــبر السيدة عائشة عندما علمت والتزمت الصمت والبكاء، وصـــبر أبي بكــــر الصديق رضي الله عنه وزوجته وعدم معارضتهما لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم من فوائد هذه الحادثة بيان كرامة أهل البيت عند الله عز وجل في قوله: (لا تحـــسبوه شرا لكم بل هو خير)، وأيــــضا من الدروس التواضع لله ومدى تواضـــع الرسول صلى الله عليه وسلم مع قومه وأتبـــاعه، فــــلم يكن مترفعا ولا متكبرا ولا متعسفا في قـــــراراته على الرغم من خطورة الحـــادثة.
أيضا: آفة سوء الظن والتزام منهج العفو والتسامح بين ذوي القربى وأهمية تبادل الآراء والتشاور مع من هم أهل لذلك ثم أدب المعاملة، ودل على ذلك أدب صفوان مع السيدة عائشة رضي الله عنها، ومن فوائد الحادثة بيان خطر الإشاعة ونشرها في المجتمع.
حادثة الإفك
وقعت على أشرف النساء، أم المؤمنين رضي الله عنها، نزلت في قصة الإفك المشهورة الثابتة في الصحيح والسنن والمسانيد، حاصلها أن النبي صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته ومعه زوجته عائشة الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها فانقطع عقدها فانحبست في طلبه ورحلوا جملها وهودجها، فلم يفقدوها، ثم استقل الجيش راحلا وجاءت مكانهم، وعلمت أنهم اذا فقدوها رجعوا اليها، فاستمروا في مسيرهم، وكان صفوان بن المعطل السلمي من أفاضل الصحابة رضي الله عنه قد عرس في أخريات القوم ونام، فرأى عائشة رضي الله عنها فعرفها، فأناخ راحلته فركبتها من دون أن يكلمها أو تكلمه، ثم جاء يقود بها بعدما نزل الجيش في الظهيرة، فلما رأى بعض المنافقين الذين في صحبة النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك السفر مجيء صفوان بها في هذه الحال، أشاع ما أشاع، ووشى الحديث، وتلقفته الألسن، حتى اغتر بذلك بعض المؤمنين، وصاروا يتناقلون هذا الكلام، وانحبس الوحي مدة طويلة عن الرسول صلى الله عليه وسلم وبلغ الخبر عائشة بعد ذلك بمدة فحزنت حزنا شديدا، فأنزل الله براءتها في هذه الآيات (إن الذين جاءوا بالإفك...).