قال عز وجل في سورة البقرة (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون)، فالموقف الذي وجهت اليه الآية المباركة موقف انساني ينطق بسماحة المسلم في تعامله المادي مع غيره بائعا كان او مشتريا او مقترضا، فالناس في حياتهم بالضرورة يتعاملون وهم ما بين دائن ومدين، والدائن قطعا هو سيد الموقف، والمدين بدينه في الغالب ذليل مهموم بسبب دينه وموعد سداده، فربما حالت ظروف قاهرة بين المدين والوفاء بالدين واحتمال الشحناء في هذا الموقف وارد فموقف المدين ولا شك في هذه الحالة موقف حرج.
ولما كانت النفوس مجبولة على حب المال تتحكم فيها نزعة حب التملك فإن القرآن الكريم لم يترك هذا الموقف دون تدخل بالارشاد الحكيم، انه يتوجه الى الجانب الاقوى بالموعظة والتوجه الى ما هو خير له ولمدينه ايضا يناشد فيه انسانيته وسماحته ومشاعر النبل فيه، وكأنه يقول له: لا تجهز على صاحبك ولا تحمله من العنت ما لا يستطيع، قدر ظروفه، ولا تحرجه، فهو يقول له كلمة قصيرة جامعة لكل هذه المعاني، يقول له (فنظرة الى ميسرة)، انها جملة قرآنية قصيرة مكونة من ثلاث كلمات ترسي قواعد التعامل الكريم بين الناس دائنين ومدينين، بهذا الايحاء الوافي وجهه الى الخير واعفى صاحبه من حرج نفسي واعاد اليه طمأنينته الضائعة، حيث كان في موقف لا يحمد او يحسد عليه، فالمدين معسر، واعساره يمنعه من الاداء، فموقفه اذن موقف صعب شاق، ودائنه حريص على ماله وفيه نزعات الشح والاثرة وحب المال ما يجعله في موقف المذل لمدينه، فالصراع بينهما حاد والمتسلط هو الدائن غالبا.
واننا لنسمع الهدي النبوي الكريم فنجده ملتقيا مع الدعوة القرآنية في الدعوة الى التسامح وتقدير الظروف، حين نسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «رحم الله امرأ سمحا اذا باع، سمحا اذا اشترى، سمحا اذا اقتضى» (رواه البخاري)، كما يتضح اثر امهال المعسر وانظاره فيما وعد به رسول الله صلى الله عليه وسلم الدائن المتسامح في اقتضاء دينه، فيما رواه كعب بن عمر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من انظر معسرا او وضع عنه اظله الله في ظله»، فالارشاد النبوي يتجاوز الامهال الى الحد والتجاوز عنه تصديقا لقوله تعالى (وأن تصدقوا خير لكم)، وكما يروي الزهري انه سمع ابا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كان تاجر يداين الناس فإذا رأى معسرا قال لفتيانه تجاوزوا عنه، لعل الله يتجاوز عني، فتجاوز الله عنه» (متفق عليه).