سورة الفرقان (مكية) تتحدث عن طعن الكفار في ألوهية الله تعالى وفي القرآن وفي رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وتتحدث السورة عن سوء عاقبة من يكذب بالله ورسوله وكتابه، فتتناول أنواع التكذيب التي لقيها النبي صلى الله عليه وسلم والتحذير من سوء عاقبة التكذيب ثم تثبيت النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وسميت الفرقان وهو القرآن الذي يفرّق بين الحق والباطل.
احذر هجر القرآن
شكوى خطيرة من كل من يهجر القرآن، (وقال الرسول يا ربّ إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا) يبين لنا الرسول صلى الله عليه وسلم علة أخرى في الفشل في الاختبار، وفي كفران الله عز وجل، أن هؤلاء الكافرين اتخذوا هذا القرآن مهجورا، كانوا يقولون: لا تسمعوا القرآن، يقولون: الغَوا فيه لأنهم يعلمون أن باب الدعوة إلى الله عز وجل هو كتاب الله، ما إن يسمع الإنسان صاحب الفطرة السليمة كتاب الله عز وجل حتى يتوقف وينظر فيه ويستمع إليه، وإذا كان طالبا للحق أرشده الله عز وجل، لذلك علمت قريش أن هذا القرآن ليس من صنع البشر، فكانوا يقولون لبعضهم البعض: الغَوا فيه، فكان إذا يتلى عليهم القرآن يكثرون الكلام في غيره، يغيرون الحديث، والرسول صلى الله عليه وسلم يشتكي من هجرانه، يقول ابن كثير: ما كان يفعله الكافرون من اللغو والكلام والقرآن يتلى، هذا من هجرانه، قال: وترك الإيمان به وتصديقه من هجرانه، وترك تدبره وتفهمه من هجرانه، وترك العمل به وامتثال أوامره من هجرانه، والعدول عنه إلى غيره من شعر أو قول أو غناء أو لهو أو كلام أو طريقة مأخوذة من غيره من هجرانه.
أحوال الهجر
بين ابن القيم لنا أحوال هجران القرآن فقال: الأول: هجر سماعه والإيمان به والإصغاء إليه، يعني الإيمان بالقرآن هو أول واجباتنا كأهل إيمان، ولابد من سماع القرآن ولابد من الإصغاء إليه، لأن الله سبحانه وتعالى يقول: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون)، الأمر الثاني: هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه وإن قرأه وآمن به.
هذه نقطة عظيمة لأنه يقول ليس مقصودك قراءة القرآن، يقول ابن مسعود رضي الله عنه إنما أنزل القرآن ليعمل به فاتخذوا تلاوته عملا، ليس المقصود من قراءة القرآن القراءة فقط، لكن المقصود من قراءة القرآن العمل بما فيه، تحصيل العلم بمراد الله عز وجل حتى تعمل بما فيه، والثالث هجر تحكيمه والتحاكم اليه في أصول الدين وفروعه.
والرابع: هجر تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد المتكلم به منه. وهذا يردنا على الثاني وهو هجر العمل والوقوف عند حلاله وحرامه، لأنك لن تعرف حلاله وحرامه إلا إذا تدبرته.
شفاء للمؤمنين
الله سبحانه وتعالى جعل من خواص القرآن أنه شفاء لصدور المؤمنين، وأنه مبارك، وأنه به الرحمة وبه البركة، فيه الشفاء وفيه الهدى فترك التشافي حقيقة في هجر القرآن، وهذا لمرض الأبدان، إذن ومرض القلوب؟ لا دواء لأمراض القلوب إلا كلام الله عز وجل، لأنه لا يعلم دواءها إلا من أوجدها، فالله سبحانه وتعالى جعل القرآن خاصية به تشفى القلوب من أمراضها، تشفى من أول مرض وهو مرض الكفر، تشفى من مرض الكبر، وتشفى من مرض العجب، وتشفى من مرض الرياء، وأمراض القلوب، لأن الأصل أن يكون قلبك معبدا لله عز وجل، لأن الإيمان عند أهل السنة كما تعلمون تعريفه هو ما وقر في القلب وصدقه اللسان وعملت به الجوارح والأركان، فيقول ابن القيم: من حالات هجر القرآن ترك التشافي به، فلابد أن نعلم أنفسنا ونعلم أطفالنا، ما يصيبك شيء إلا تلجأ لله عز وجل.
مراجعة النفس
القرآن حقيقة يخبرنا فيه الله تعالى عن أحوال الغابرين وأحوال الكافرين، لكن هو رسالة الله الشخصية لي أنا بالذات، فإذا رأيت فيه ما يغضب الله فلابد أن أراجع نفسي هل آتي بهذا الشيء أم لا وأكون صادقة مع نفسي لا يعلم خفايا النفس إلا الله عز وجل ولن يحاكمنا إلا الله عز وجل، والله لو أجمع أهل الأرض على صلاحك ما يعلم بصلاحك إلا الله عز وجل، والله سبحانه وتعالى يقول (فلا تزكوا أنفسكم) فهو يعلم حالكم وأنتم في بطون أمهاتكم، لكن القرآن يحتاج منا إلى وقفات حقيقية إلى تفاعل مع القرآن، ليس فقط كتابا يقرأ ككتاب تاريخي، حاشا لله، لكنه كتاب حياة ومنهج فرقان يفرق بين النور والظلام بين الحق والباطل، إذن يحتاج منا القليل من الجهد في قراءته وتفهمه، وفي مراجعة أحوالنا عليه، وهذا هو المحك، لأني سأحاسب عن ماذا؟ عن هذا القرآن، الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «القرآن إما حجة لك أو حجة عليك، وفي أحاديث ذكرها الرسول صلى الله عليه وسلم أن القرآن يتمثل يصبح له عينان ولسان يتحدث القرآن، فيشخص فيأتي بجانبك فيشهد لك أو يشهد عليك، كيف أعمل كيف يشهد لي؟ يشهد لك بأن تأخذ بما جاء في القرآن، هل الدين صعب؟ والله ليس بكلامنا لكن بكلام الله عز وجل: (ما جعل عليكم في الدين من حرج)، هل القرآن صعب؟ لا والله، (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر)، القرآن ميسر، الصعوبة تأتيك من أشياء ثانية لكن ليست من القرآن، من الشيطان، من نفسك، من انشغالك بما لا ينفعك من تزاحم وتداخل أولوياتك.