النظر في تقلبات الحياة وما فيها من عبر معين ثر لكل عاقل يريد النجاة بنفسه، والتاريخ وما فيه من تجارب باعث رئيسي لمن يحب اكتساب الأخلاق الحسنة، ودروس الحياة.
قال تعالى: (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب) يوسف 111.
لقد كان في قصص المرسلين عبرة لكل معتبر وعظة لأصحاب العقول السليمة، وما حل بالمعاندين للحق.
قال الناظم:
لذي فؤاد وذي فهم وذي نظر
في صورة الدهر ما أغنى عن العبر
قد لقنت قلب مغتر ومعتبر
وفي لياليه والأيام ناصحة
قال ابن خلدون «تهذيب المقدمة» 9: اعلم أن فن التاريخ فن عزيز المذهب، جم الفوائد، شريف الغاية، إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياساتهم، حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا.
وقال ابن الأثير في «الكامل» 14/1: لقد رأيت جماعة ممن يدعي المعرفة والدراية، ويظن بنفسه التبحر في العلم والرواية، يحتقر التواريخ ويزدريها، ويعرض عنها ويلغيها، ظنا منه أن غاية فائدتها إنما هو القصص والأخبار، ونهاية معرفتها الأحاديث والأسمار، وهذه حال من اقتصر على القشر دون اللب نظره، ومن رزقه الله طبعا سليما، وهداه صراطا مستقيما، علم أن فوائدها كثيرة ومنافعها الدنيوية والأخروية جمة غزيرة، وهانحن نذكر شيئا مما ظهر لنا فيها.
منها: ما يحصل للإنسان من التجارب والمعرفة بالحوادث وما تصير اليه عواقبها، فإنه لا يحدث أمر الا قد تقدم هو أو نظيره، فيزداد بذلك عقلا، ويصبح لأن يقتدى به أهلا.
ومنها: أن العاقل اللبيب إذا تفكر فيها، ورأى تقلب الدنيا بأهلها، وتتابع نكباتها الى أعيان قاطنيها، وانها سلبت نفوسهم وذخائرهم، وأعدمت أصاغرهم وأكابرهم، فلم تبق على جليل ولا حقير، ولم يسلم من نكدها غني ولا فقير، زهد فيها وأعرض عنها، وأقبل على التزود للآخرة منها، ورغب في دار تنزهت عن هذه الخصائص، وسلم أهلها من هذه النقائص.
ومنها التخلق بالصبر والتأسي، وهما من محاسن الأخلاق، فإن العاقل إذا رأى أن مصاب الدنيا لم يسلم منه نبي مكرم، ولا ملك معظم، بل ولا واحد من البشر، علم أنه يصيبه ما أصابهم، وينوبه ما نابهم.