عباد الرحمن
قال سبحانه وتعالى مادحا خير خلقه (وانه لما قام عبد الله يدعوه) هذا مقام شريف فيه الاصطفاء من الله عز وجل لخيرة خلقه، فمن اتبع أمر الله اصطفاه عز وجل وخاطبه بهذه الصفة العظيمة قال: عباد الرحمن، هذا ثمن الجنة يذكر الله عز وجل في هذه الآيات المباركات اثنتي عشرة صفة من أتى بها ضمن له الله عز وجل الجنة ليس فقط الجنة ولكن غرف الجنة الرواتب العليا.
قال تعالى: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما)، أعجب أن أول ما بدأ الله عز وجل من صفة العباد بيان علاقتهم مع الناس، ثم أبان عن علاقتهم بربهم وما ذلك إلا دلالة على ان الأخلاق ركن أصيل من عبادة الله عز وجل.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أحبكم إلي أحسنكم أخلاقا».
صفة التواضع
التواضع صفة عظيمة، يقول سبحانه: هؤلاء يمشون على الأرض هونا بسكينة ووقار لا تجبر فيها ولا استكبار.
ليس المراد بها أن يمشي الإنسان وهو يتمارض ولا أن يمشي وهو مدع انه خاشع، لا، فإن نبينا صلى الله عليه وسلم كانت مشيته سريعة كأنما ينحط من صبب وكأنما الأرض تطوى له، فالمراد أن تمشي بسكينة دون تفاخر ولا تعاظم، والتواضع أيضا أن تنقاد للحق، لا يتكبر ولا يتمسك برأيه ولا بمقولته لأنه متواضع لله عز وجل.
الحلم
(وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) لايردون عليهم بتفاهتهم بل هم فيهم الحلم والأناة وهذه الصفة يحبها الله عز وجل.
ساجدون لله
حال عباد الرحمن هو (والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما) وهو أشرف حالاتهم عندما يكونون ساجدين لله عز وجل، فإن هذه غاية الكرامة لك أيها الإنسان، بهذا السجود يكرمك الله عز وجل وبهذا القيام يقبلك الله عز وجل ونبينا صلى الله عليه وسلم القدوة المثلى والأسوة الحسنة كان يقيم الليل حتى تتفطر قدماه، فتعجب من حاله أمنا عائشة ذات القلب الرحيم على هذا الزوج الحبيب تريد منه ان يرتاح تقول له: لقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، يقول: يا عائشة أفلا أكون عبدا شكورا؟
القلوب خائفة
(والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما) تظنون أن هذه العبادة وهذا التمسك بأمر الله عز وجل كفاهم الخوف من الله عز وجل؟ لا، مازالت القلوب خائفة، ولذلك قلنا ان الخوف عبادة يتعبد بها المؤمن ربه، عبادة قلبية، الخوف والرجاء والمحبة.
يقول الله عز وجل على لسانهم (إنها ساءت مستقرا ومقاما) أما الدنيا فدار ارتحال ولا مقام فيها، أما المقام ففي الآخرة فإما مقام نعيم وإما بئس المقام، وهذا أخشى ما يخشون.
التوسط في الإنفاق
ثم مدحهم الله عز وجل بصفة التوسط في الإنفاق (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما) لا إفراط ولا تفريط ولا سرف ولا بخل.
البعد عن الكبائر
يقول الله عز وجل: (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا) كبائر بيّنها الله عز وجل لعباده وأكبر كبيرة التي لا يغفرها الله أن تشرك بالله، وقتل النفس أمر عظيم وقد أمرنا الله بالحفاظ على النفس فلا يضع الإنسان نفسه في موضع يؤدي به الى الهلاك.
(ولا يزنون) (ومن يفعل ذلك يلق أثاما) يلقى العذاب المهين ويضاعف له العذاب أضعافا مضاعفة بهذه الكبائر ويخلد في نار الخلد (ويخلد فيه مهانا).
باب التوبة
يفتح الله عز وجل باب التوبة يقول: (إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا)، عد الى الله أيها الإنسان، فمهما تعاظمت الذنوب فإن رحمة الله أوسع.
أعظم الآيات
(أولئك يبدّل الله سيئاتهم حسنات) هذه الآية عندي من أعظم الآيات، يعني كل السيئات التي عملتها والتي كانت كالجبال العظام برحمة الله تتحول الى أمثالها حسنات.
(وكان الله غفورا رحيما) صفة الله انه غفور وصفته انه رحيم.
باب الله مفتوح
ولما خص الله عز وجل بالتوبة أصحاب الكبائر فتحها في الآية الكريمة لكل من أذنب قال: (ومن تاب وآمن وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا)، يقبل منه ويعفو عنه، وباب الله مفتوح لا يسد حتى يغرغر الإنسان أو تطلع الشمس من مغربها، كما قال صلى الله عليه وسلم: «لا يهلك على الله إلا هالك»، رحمته عظيمة ومغفرته عظيمة وهو سبحانه وتعالى رحيم بنا.
سورة عظيمة فيها انتصار لكتاب الله ولنبيه، فيها نور الحق وبيان الحق، يبين الله فيها آياته الشرعية والكونية، ويبين فيها كيف يكون الحوار مع المعاندين، ثم يبين أقاويل الكافرين، سماها الله عز وجل الفرقان لأنه يفرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد، والحلال والحرام.
نزلت السورة تسلية لقلب النبي صلى الله عليه وسلم، وسردا للحوادث، يبين الله فيها ان الحجاج العقلي من طرق الذب عن دين الله، ويبين الله دعوة الانسان للتفكر في الآيات الكونية ليعرف ما وراء الخلق والتفكر في مظاهر قدرة الله تعالى في مد الظل، وفي تعاقب الليل والنهار، وفي الرياح التي يرسلها سبحانه لتكون بشارة لنزول المطر، وفي وجود برزخ بين البحرين، وفي خلق البشر من الماء، ثم يعقب ذلك بالتعجب من حال الكافرين الذين يعبدون من دونه سبحانه ما لا ينفعهم ولا يضرهم، والسورة زاخرة بالآيات التي تدخل الأنس والتسلية والتثبيت على قلب
النبي صلى الله عليه وسلم بعد ان اتهمه المشركون بما هو بريء منه وسخروا منه ومن دعوته.