يقوم مفهوم الحرية في الإسلام على إطلاق الحرية للفرد في كل شيء ما لم تتعارض أو تصطدم بالحق أو بالخير أو المصلحة العامة، فإذا تعدّت تلك الحدود تتحول الى اعتداء يجب وقفه وتقييده، والحرية في المجتمع الإسلامي مكفولة للجميع، وفي خطاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه لعمرو بن العاص «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا» ما يؤكد هذا الحق للجميع، فلا فرق في ذلك بين الراعي والرعية، ولكن ضمن حدود المصلحة العامة للفرد والجماعة، ولا يقيد الحرية في الإسلام إلا الشرع والعقل.
فالحرية هي ممارسة المسلم أقواله وتصرفاته بإرادة واختيار، من غير قسر ولا إكراه، ضمن حدود ما يحقق المصالح الشرعية ويدرأ المفاسد أو الإضرار بالشخص ذاته أو مجتمعه أو الإضرار بالآخرين.
والحرية في الإسلام تنطلق من أنها حق لكل إنسان فطره الله عليه من يوم ولادته باعتباره إنسانا كرمه الله وفضله على سائر مخلوقاته، وهي أيضا في إطار ترك الإنسان يفعل ما يريد ويترك ما لا يريد مختارا دون إكراه، ولكن ليس له ذلك بإطلاق، وإنما هو مقيد بألا يضر بالغير، أو يترتب على تصرفه إفساد، وان يراعي تحقيق مصلحة شرعية أو دفع مفسدة عنه أو عن الغير أو عن مجتمعه.
فالحرية في الإسلام مقيدة فيما يجلب نفعا أو يدفع ضررا، فلا حرية مطلقة بتصرف لا يحاسب عليه، أو لنقل: هي حرية موجهة بإرشاد الشارع الحكيم الذي يعلم ما يصلح العبد وما يضره.
وان من أخطر الحريات وأوسعها الحرية الفكرية وهي قدرة الإنسان على مطلق التفكير بينه وبين نفسه، بل يعرف الإنسان عند المناطقة بأنه حيوان ناطق أو مفكر، فالتفكير صفة في الإنسان لازمة توجد في كل أفراد النوع البشري، ولا يستقيم النوع بدونها.
فالحرية الفكرية حرية مطلقة، وتعني حرية الإنسان أن يفكر في كل شيء يشاء صوابا أو خطأ، حقا أو باطلا، خيرا أو شرا، فهذا كله من باب التصور، فله أن يتصور ما يشاء، ثم يقرر ويختار.
وإذا صح هذا في معايير القوانين من النظم والفلسفات باعتبار أن التفكير ذهني ووجداني لا أحد من البشر يمكن أن يطلع على أسراره الفكرية ويحاسبه عليها، لكن هذه الحرية المطلقة هي في الإسلام مقيدة بحيث لا يضر الإنسان بنفسه ولا بغيره، فلا يترك المسلم لعقله وفكره العنان، فيتمادى به التفكير فيما لا طاقة للعقل به فيما قد يدخل في عقيدته الشك والتردد، فللعقل حدود تفكيره، فلا يقدر على ما لا يحتمله ولا يحيط به إدراكه كالغيبيات وعظيم عجائب خلق الله، فإن ترك العنان لعقله مجردا ضل وغوى واستهواه الشيطان، ولذا قال صلى الله عليه وسلم: «تفكروا في آلاء الله، ولا تفكروا في الله عز وجل» صحيح.