- إن الذي يتدبر القرآن لغة وبياناً يدرك من إعجاز القرآن على قدر ما عنده من علوم اللغة العربية من معينه الصافي الذي لم تكدره الدلاء
ان علوم الشريعة ومباحثها كلها إذا فصلت من أصلها وهو القرآن الكريم، ثم اقتصر عليها كمقررات دراسية في الجامعات لا تجد فيها ما تجده من الطراوة والرغبة والحلاوة والنشاط عندما تأخذها، وهي موصولة بأصلها القرآني، وإن بقي شيء منها، فإنك تجد فيه جفافا وخفوتا، وهزالا، ولا تجد تلك الحيوية والنضارة والقوة عندما تأخذ الأحكام وعلوم الشريعة من أصلها القرآني، لأنها - والحال هذه - موصولة بما يغذيها فتسري فيها قوة وروعة وجمالا وحيوية فتبعث في صاحبها النشاط وقوة العلم والعمل والسلوك بما علم، هذا ما علمته بالتجربة التي لا تخطئ.
علوم الشريعة كلها ومباحثها كلها تأبى الانفصال والاستقلال ولا تبقى لها تلك الطراوة والحيوية اذا بترت من أصلها ثم اعتمد عليها كمقررات دراسية في الجامعات، وقد يدخل فيها ما ليس منها، ويخرج منها ما هو منها، لأنها فقدت الحماية والحفظ كما هو معلوم بالضرورة، وقد تموت كالغصن إذا بان من الشجرة، فغذاؤها لا يكون إلا إذا كانت موصولة بأصلها القرآن الكريم، فيجب ربط جميع المقررات الدراسية في الجامعات مهما كانت تخصصاتها بالقرآن وعلومه، لأنه يغذيها وينميها ويبعث فيها الحيوية والنشاط والقبول.
ودليلي على هذه التجربة:
إن أول ما يفقده الدارس لعلوم الشريعة كلها - إذا كانت منفصلة عن أصلها القرآني إعجاز القرآن الذي لا تجده أبدا بحال من الأحوال في كتب اللغة والفقه وعلوم الشريعة وغيرها فيوجد طالما كان موصولا بأصله، وينعدم إذا بتر من أصله، فعلينا أن نجعل القرآن مصدر علومنا ومعارفنا، ونربط جميع المقررات به، لأن الوقوف على مواطن الإعجاز في القرآن أمر لا يدرك إلا بالذوق البياني ولا يمكن تحديده، ولا إقامة الأدلة المنطقية عليه، ولكنه يدرك بالذوق اللغوي، ولا يمكن نقله إلى الآخرين.
إن الذي يتدبر القرآن لغة وبيانا يدرك من إعجاز القرآن على قدر ما عنده من علوم اللغة العربية من معينه الصافي الذي لم تكدره الدلاء، لأن وصف العلماء لوجوه الإعجاز خاص بهم، ولو وصفوه وحددوه بالحد المطابق للمحدود لما كان معجزا.
وقد صرح بالعجز د.محمد عبدالله دراز، وهو يحاول أن ينقل ما أدركه ويترجم ما أحسه من فصاحة القرآن وأسلوبه البليغ فقال: «ولقد وردت مناهل القول وتذوقت طعومها، فما وجدت كالقرآن أعذب موردا، والآن آمنت أنه نسيج وحده، وأنه يعلو، وما يعلى عليه وأنه يحطم ما تحته غير أنني - وقد أدركت من قوة الأسلوب القرآني وحلاوته ما أدركت - لم يزل الذي أحس به من ذلك معنى يتجمجم في الصدر لا أحسن تفسيره ولا أملك تعليله».
وقد قرر الإمام أبوسليمان الخطابي من قبله عجز العلماء عن إبراز تفاصيل وجوه الإعجاز فقال: «ذهب الأكثرون من علماء النظر إلى أن وجوه الإعجاز من جهة البلاغة لكن صعب عليهم تفصيلها وصغوا فيه إلى حكم الذوق».
وقال الإمام ابن خلدون: «الإعجاز تقصر الأفهام عن إدراكه، وإنما يدرك بعض الشيء منه من كان له ذوق بمخالطة اللسان العربي وحصول ملكته فيدرك من إعجازه على قدر ذوقه» أي اللغوي البياني.
وتحدث الإمام السكاكي عن إعجاز القرآن، وهو لا يرى إدراكه بالوصف وإنما بالذوق وطول الممارسة لعلوم البلاغة فقال:
«واعلم أن شأن الإعجاز عجيب يدرك ولا يمكن وصفه كاستقامة الوزن تدرك ولا يمكن وصفها».
وإذا كان الأمر كما قرره هؤلاء العلماء فإن إعجاز القرآن أول ما تفقده عندما تتفقه في غير كتاب الله في علوم مفصولة عن القرآن ولو كانت هذه العلوم من علوم الشريعة فإن إعجاز القرآن يدرك بالوجدان ولا يترجم بالأقلام، ولا تحيط به السطور، ومن ثم كان التفقه في القرآن وحده هو السبيل الوحيد الذي يلج منه الدارس والمتعلم إلى استشعار هذا الإعجاز بحاسته اللغوية وملكاته البيانية.
وبغير ذلك فإنه سيظل أسيرا لما أدركه الآخرون وتذوقوه من معان وبيان وأحكام وحكم وأسرار، وليس فيها موضع للإعجاز، فلا سبيل لأحد أن ينقل إعجاز القرآن إلى الآخرين إلا في حدود ضيقة، فلم يبق له إلا أن يطلبه بنفسه من معينه الصافي من القرآن نفسه.
ومن ثم خططت جمعية المنابر القرآنية منهجا فريدا يساعد كثيرا للوصول إلى منابع إعجاز القرآن الكريم وجعلتها سبعة منابر، فمن لم يتدرج في هذه المنابر لا يصل إلى المنبر السابع الذي هو المحطة الأخيرة التي تعد بداية لإدراك بعض وجوه الإعجاز. والله أعلم،،