- أعلم أن السور المكية نزل أكثرها في إثبات العقائد وفي قصص الأنبياء وأن السور المدنية نزل أكثرها في الأحكام الشرعية، والفتوى وذكر غزوات النبي صلى الله عليه وسلم
2 - كيفية معرفة المكي والمدني:
لم يحدثنا التاريخ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد أمر أصحابه بحفظ الآيات والسور على زمان النزول، وإنما تشير الروايات إلى أنه كان يحدد لهم مواضع الآيات من السور وقت التنزيل وعند كتابتها في الرقاع.
ومن ثم فإن الصحابة كانت جهودهم متجهة إلى حفظ القرآن مرتبا على نحو ما يرتبه لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن بقي في ذاكرتهم ما لاحظوه من مكان وزمان نزول كثير من الآيات والسور، ونقل ذلك عنهم تلامذتهم من التابعين.
قال القاضي أبو بكر الباقلاني: - إنما يرجع في معرفة المكي والمدني إلى حفظ الصحابة والتابعين، ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك قول، لأنه لم يؤمر به، ولم يجعل الله علم ذلك من فرائض الأمة، وإن وجب في بعضه على أهل العلم معرفة تاريخ الناسخ والمنسوخ، فقد يعرف ذلك بغير نص الرسول صلى الله عليه وسلم.
ولاحظ العلماء أن معرفة المكي والمدني من سور القرآن يمكن أن يكون من طريقين: سماعي وقياسي.
فالسماعي: ما وصل إلينا الخبر بنزوله في مكة أو المدينة، قبل الهجرة أو بعدها، وكان عدد من الصحابة قد أبدوا اهتماما بهذا الجانب من تأريخ القرآن، على نحو ما نقل ابن سعد عن عبدالله بن عباس أنه قال: - كنت ألزم الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار، فأسألهم عن مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما نزل من القرآن في ذلك.
وكنت لا آتي أحدا منهم إلا سر بإتياني لقربي من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فجعلت أسأل أبي بن كعب يوما، وكان من الراسخين في العلم، عما نزل من القرآن بالمدينة، فقال: نزل بها سبع وعشرون سورة، وسائرها بمكة-. وسوف أذكر من نقلت عنهم روايات في ذلك من الصحابة والتابعين في آخر هذا المبحث.
أما القياسي: فإنه يعتمد على جملة من الضوابط التي استخلصها العلماء من الروايات المنقولة عن عدد من الصحابة والتابعين في بيان خصائص السور المكية والسور المدنية، فمن تلك الروايات:
أ- عن عبدالله بن مسعود، رضي الله عنه، قال: - كل شيء في القرآن يا أيها الناس أنزل بمكة، وكل شيء في القرآن يا أيها الذين آمنوا أنزل بالمدينة -. ولاحظ بعض العلماء أن (يا أيها الناس) منه مكي ومنه مدني وأكثره مكي.
ب- عن عروة بن الزبير، قال: - ما كان من حد أو فريضة أنزلها الله عز وجل بالمدينة، وما كان من ذكر الأمم والقرون أنزل بمكة.
ج- قال المفسر محمد بن أحمد بن جزي الغرناطي (ت 741 هـ): - واعلم أن السور المكية نزل أكثرها في إثبات العقائد، والرد على المشركين، وفي قصص الأنبياء، وأن السور المدنية نزل أكثرها في الأحكام الشرعية، وفي الرد على اليهود والنصارى وذكر المنافقين، والفتوى في مسائل، وذكر غزوات النبي صلى الله عليه وسلم، وحيث ورد: (يا أيها الذين آمنوا فهو مدني، وأما يا أيها الناس فقد وقع في المكي والمدني).
3 - أهمية معرفة السور المكية والسور المدنية:
لهذا البحث التاريخي في تحديد وقت نزول سور القرآن فوائد يذكرها العلماء في مجال الدراسات القرآنية منها:
أ- تتوقف معرفة الآيات الناسخة والمنسوخة على معرفة ما نزل أولا، قال النحاس: - وإنما نذكر ما أنزل بمكة لأن فيه أعظم الفائدة في الناسخ والمنسوخ، لأن الآية إذا كانت مكية، وكان فيها حكم، وكان في غيرها حكم غيره نزل بالمدينة، علم أن المدنية نسخت المكية-.
ب- ساير نزول القرآن تاريخ الدعوة، وترتيب السور ترتيبا زمنيا يمكننا من تصور تأريخ السيرة تصورا أكثر جلاء ووضوحا، في ضوء الآيات القرآنية الكريمة، والقرآن من هذه الناحية يعتبر المرجع الأصيل لدراسة السيرة النبوية.
ج- إن تتبع السور المكية والسور المدنية والنظر في موضوعاتها وأسلوبها يكشف عن المنهج الذي رسمه القرآن للدعوة في مراحلها المختلفة، فكانت موضوعات السور المكية تتحدث عن قضية العقيدة خاصة، وتعددت صور عرضها، في أسلوب قوي مؤثر، لأنه كان يخاطب أناسا غلب عليهم الشرك وفساد العقيدة، فلما استقرت العقيدة الصحيحة في قلوب الجماعة المؤمنة التي تكونت في المدينة عندها أنزل الله تعالى الفرائض والحدود في أسلوب متمهل مترسل يناسب مخاطبة القلوب المؤمنة.
4 - تحديد السور المكية والسور المدنية وترتيبها:
لم يعد ممكنا ترتيب القرآن على تواريخ تنزلاته، لطول المدة التي نزل فيها وتعدد مرات نزول الوحي، وتنوع الظروف التي ينزل فيها، وترتيب القرآن في سوره على نحو آخر غير ترتيب النزول، وقد سأل ابن سيرين عكرمة مولى ابن عباس: ألفوه الأول فالأول؟ فقال عكرمة: لو اجتمعت الإنس والجن على أن يؤلفوه ذلك التأليف ما استطاعوا.
لكن علماء القرآن من الصحابة والتابعين تمكنوا من تحديد السور المكية والسور المدنية وأن يرتبوها ترتيبا تقريبيا حسب أوقات نزولها، معتمدين في ذلك على نزول أول السورة، كما روي عن ابن عباس أنه قال: - كانت إذا نزلت فاتحة سورة بمكة كتبت بمكة، ثم يزيد الله فيها ما يشاء-.
وقد نقل المؤلفون في علوم القرآن عددا من الروايات في ذكر السور المكية والمدنية، منقولة عن الصحابة والتابعين، مثل الرواية المنقولة عن عبدالله بن عباس، وأبي الشعثاء جابر بن زيد، والحسن البصري، وقتادة بن دعامة السدوسي، ومجاهد بن جبر المكي، وعلي بن أبي طلحة.
وهذه الروايات متقاربة في مضمونها، ويتفق أكثرها على أن عدد السور المدنية ثمان وعشرون سورة، والمكية ست وثمانون سورة.
وكان أول ما أنزل من القرآن: اقرأ باسم ربك، ثم: ن والقلم، ثم: يا أيها المزمل، ثم: يا أيها المدثر، ثم: تبت يدا أبي لهب، ثم: إذا الشمس كورت، ثم: سبح اسم ربك الأعلى... ثم: أنزل بالمدينة سورة البقرة، ثم: الأنفال، ثم: آل عمران، ثم: الأحزاب، ثم: الممتحنة، ثم: النساء، ثم: إذا زلزلت، ثم: الحديد، ثم: القتال، ثم الرعد، ثم: الرحمن، ثم: الإنسان، ثم: الطلاق، ثم: لم يكن، ثم: الحشر، ثم: إذا جاء نصر الله، ثم: النور، ثم: الحج، ثم: المنافقون، ثم: المجادلة، ثم: الحجرات، ثم: التحريم، ثم: الجمعة، ثم: التغابن، ثم: الصف، ثم: الفتح، ثم: المائدة، ثم: التوبة، فذلك ثمان وعشرون سورة.