أثناء وجودي في دمشق تواصلت مع خطاط المصحف الأستاذ شكري خارشو من أجل تنسيق موعد للقاء به والتصوير معه، فرحب بالمشاركة لولا أنه مقيم في الإمارات وبالتحديد في أبوظبي من أجل إنهاء كتابة مصحف ليكون باسم مصحف الشيخ زايد آل نهيان رحمه الله.
قام المخرج فراس قنوت مع فريق التصوير بتسجيل لقاء معه فترة إجازته في دمشق ولم أتمكن من الحضور والمشاركة نظرا لظروف عملي الأكاديمي، إلا أني التقيت بالأستاذ شكري فيما بعد في بيته الواقع في قدسيا إحدى ضواحي دمشق المرتفعة، التي يلهمك جوها الإبداع والتألق، وهو ما ساعد الخطاط شكري على كتابة أروع اللوحات والعبارات.
أعجبني في الأستاذ شكري ابتسامته الهادئة التي تعلو محياه، وتواضعه الرائع بالرغم من قامته الفنية في الخط العربي، والحرص على اختيار عباراته الموزونة أثناء الحديث. لم أستغرب ذلك منه حينما علمت أنه كان أستاذ الخط العربي في معهد الفنون التطبيقية وقد تخرج على يديه جيل من خطاطي سورية، فكان قدوة لهم في الأدب والفن والإبداع.
كتب ثمانية مصاحف أولها مصحف لإحدى دور النشر في دمشق، وقد أنجزه في فترة قياسية لم تتجاوز التسعة أشهر، وطبع كأجزاء منفردة، كل جزء في كتاب مستقل، ولم يطبع كمصحف كامل في كتاب واحد.
بعد ذلك قام بكتابة مصحف آخر برواية ورش عن نافع أصدرته إحدى دور النشر في دمشق، وقد أمضى في العمل عليه قرابة السنة.
كما كتب مصحفا ثالثا لإحدى دور النشر في دمشق برواية حفص عن عاصم، وهو المصحف الوحيد المتداول -فيما أعلم- الذي تحوي كل صفحة من صفحاته سبعة عشر سطرا تبدأ بآية وتنتهي بآية، أما معظم المصاحف المنتشرة فإن كل صفحة من صفحاتها تبدأ بآية وتنتهي بآية أيضا ولكنها تضم خمسة عشر سطرا فقط، وقد كتبه بخط النسخ بأسلوب رائع وجذاب يبهج القلب ويشرح الصدر.
وكان له شرف كتابة هذا المصحف الرابع الذي كتبه بخط النسخ، وكتب أسماء السور بخط الثلث بأسلوب واضح جميل، وأحاط كل صفحة من صفحاته بزخرفة التوريق التي تعود إلى مدارس الزخرفة العثمانية.
كما كتب مصحفا باسم الملك الحسين بن طلال بخط المحقق المملوكي على أسلوب الخطاط أحمد السهروردي أحد الخطاطين القدماء، وقد جعلت زخرفته بالذهب الخالص عيار (24) ويقع في (1080) صفحة.
كما أخبرني بأن كتابة المصحف الشريف تعد من أصعب أنواع الكتابة، إذ إن كتابة صفحة واحدة من صفحات القرآن الكريم تحتاج إلى عملية دقيقة جدا لكونها تخضع لقياسات ومساحات معينة حتى تنجز بالشكل اللائق وتعتمد نهائيا كصفحة مقروءة، فليس كل خطاط يستطيع أن ينجز كتابة المصحف الشريف على الشكل الفني المطلوب، ولا بد له أن يتحلى إلى جانب موهبته وقدرته الفنية بالصبر والأناة وقوة الإرادة.
كما همس في أذني إلى أن خطاط المصحف بحاجة إلى زاد روحي أثناء الكتابة فيكون على طهارة دائمة، وصفاء نية، وطلب الإعانة من الله تعالى، واحتساب أجر كل من يقرأ فيه حتى يستطيع أن يحلق مع الآيات التي يكتبها، وينعكس ذلك على جودة العمل واحترافيته.
إن الأستاذ شكري خارشو دخل الخط العربي من أبواب المؤسسات والمعاهد الخطية وهو ما انعكس على طريقته وأسلوبه في التعامل مع الطلاب والقصبات والأوراق بكل رقي ومهنية وذوق.