أصبح عالم السحرة غريب الأطوار للمؤلفة «جيه كيه رولينغ» أكبر قليلا وأكثر حياة في فيلم «Fantastic Beasts: The Crimes of Grindelwal»، حيث تعج هذه القصة الغنية والعميقة بالمخلوقات الجديدة الملونة والمؤثرات البصرية المدهشة وما يكفي من القصص المثيرة للاهتمام لتغذية الأجزاء الثلاثة الأخيرة.
ومما يعزز نجاح «رولينغ» في كتابة السيناريو هنا هو تعاونها المستمر مع «ديفيد ياتس»، مخرج 6 من أفلام «هاري بوتر»، والذي يتمكن بفضل مهاراته العالية خلف الكاميرا من إحياء كلماتها على الشاشة بمؤثرات فريدة تنبض بالحياة.
تجري أحداث الفيلم في أواخر العشرينيات من القرن الماضي، بعد فترة قصيرة من أحداث الجزء السابق، وينطلق في بداية مدوية مع مطاردة جوية مثيرة غارقة بالأمطار عبر سماء مدينة نيويورك، ومما يزيد من إثارة المشهد الغني بالآكشن العواصف الرعدية ومخلوقات الـ «ثيرستال» المهيبة التي تحلق عاليا في الهواء.
يأسرنا جوني ديب على الفور بدور الشرير «غريندلوالد» الذي يحمل الفيلم اسمه والذي يثير الخوف حقا، يساعده في ذلك وجنتاه الغائرتان وبشرته الشاحبة كالأشباح وعيناه غير المتطابقتين اللتان تطاردانك، فليس من السهل أن تكون الشرير الجديد في عالم «هاري بوتر»، وخاصة بعدما نجح رالف فينيس بتأدية دور «لورد فولديمورت» بكل روعة، لكن بدلا من أن يقدم لنا الأداء المألوف والرائع الذي اعتدناه مع شخصية «جاك سبارو»، يقدم لنا النجم المرشح 3 مرات للأوسكار أداء مكبوتا يتفوق من نواح عديدة على أي دور له في الذاكرة الحديثة، وبالطبع هو الشخص الشرير هنا، لكن «رولينغ» تعطيه بكل ذكاء بعض الأخلاقية الغامضة التي يحتاجها بشدة، والتي تجعل من «غريندلوالد» شخصية رائعة لمتابعة قصتها.
ومما يعزز العمق العاطفي هنا الأداء الرائع لبعض الإضافات الجديدة المرحب بها إلى الطاقم، وأبرزهم جود لو بدور «آلبوس دامبلدور» بشعر أكثر اسودادا بقليل.
يتشارك السحرة الأقوياء رابطة تساعد على إضفاء صبغة إنسانية على أسلوب «غريندلوالد» العدائي، وتساعد حقيقة أن «دامبلدور» يحمل نوعا من العاطفة تجاهه في الماضي في منع شخصية ديب من التحول إلى شخصية ساحر آخر مهووس، ويقدم جود لو أداءه المعهود المليء بالسحر وحتى مع حس من الفكاهة في كل مرة يدردش فيها مع نيوت سكاماندر (إيدي ريدماين)، لكن على الرغم من كل السحر الذي يحمله، إلا أن جود لو لا يضيف أي شيء فريد إلى إرث الساحر الأسطوري لم نره من قبل في أداء ريتشارد هاريس ومايكل غامبون في أفلام «هاري بوتر». وفي نفس الوقت ربما يعود السبب جزئيا إلى أننا نألف أداء الممثل، ولا نشعر أبدا بأنه يجسد شخصية «دامبلدور» القوية التي عهدناها، خاصة عندما ينجح جوني ديب بقوة مثيرة للإعجاب بالانغماس تماما في تأدية دور «غريندلوالد» أثناء كونه نجما سينمائيا كبيرا، فنشعر بوجود تناقض كبير بينهما.
كما يشهد «The Crimes of Grindelwald» عودة المنقذين السحريين لمدينة نيويورك نيوت، تينا (كاثرين ووترستون)، جايكوب (دان فوغلير) وكويني (آليسون سودول)، ويضفي السلوك الرومانسي بين جايكوب وكويني راحة كوميدية لطيفة بعيدا عن أعمال «غريندلوالد» الخسيسة، في حين أن المغازلة الغريبة بين نيوت وتينا تضفي بعض البهجة على الفيلم.
تكمن الدراما المثيرة هنا في معرفة ما إذا كان نيوت سينضم إلى المعركة ضد «غريندلوالد» أم سيبقى محايدا مع مخلوقاته الأليفة، قد يكون اسم «غريندلوالد» موجودا في عنوان الفيلم، لكن نيوت يوازيه أهمية لأنه هو الشخص الذي أعطي المهمة لهزيمة الساحر الشرير، ويقول دامبلدور انه معجب بنيوت لأنه لا يسعى للسلطة والقوة، إنه وصف دقيق لنيوت، لكنه وصف قوي أيضا، فعلى خلاف دامبلدور أو هاري أو حتى لوك سكايووكر، فإن نيوت (على حد علمنا) لا ينحدر من عائلة عظيمة أو لديه مصير تم التنبؤ به في نبوءة قديمة، وقواه الخارقة هي ببساطة بوصلته الأخلاقية.
يجسد ريدماين الاضطراب الداخلي الذي تعاني منه شخصيته بشكل جيد، ويلتقط بكل سهولة فرحة نيوت الصبيانية في كل مرة يكون إلى جانب أحد مخلوقاته السحرية ويظهر شعور الغم والخوف عندما يتعامل مع مسائل غير سارة مثل الموت والحرب، أما باقي طاقم الممثلين الثانويين فهو يتراوح من الجيد إلى غير المتميز، مع استخدام العديد منهم كأدوات لدفع الحبكة فقط، إلا أن هناك بعض الاستثناءات مثل زوي كرافيتز بدور ليتا ليستراينغ، والتي تلعب دور شخصيتها بفعالية مع نفحة من الغموض التي تجعلها غير قابلة للتنبؤ، ويترك نص راولينغ ما يكفي من الغموض هناك ليبقينا متشككين إلى أي جانب من جانبي الحرب سينتهي المطاف.
ومن ناحية أخرى، فإن عودة إيزرا ميلر بدور كريدينس بيربون كانت مخيبة للآمال، فهذا الساحر القوي (Obscurial) مليء بالاكتئاب والحزن، ليس أكثر.
كان كريدينس بحاجة إلى المزيد من التطوير بعد الفيلم الأول، وخاصة بالنظر إلى أنه الحبكة المحركة لهذا الفيلم، لكنه لا يحصل على ذلك، وقد تكون حالته النفسية من منظور القصة منطقية، فالفتى يبحث بيأس عن عائلته الحقيقية بعدما عاملته المرأة التي ربته كالقمامة، لذا فهو لديه كل الحق بأن يكون كئيبا، لكن هذا لا يلائم ميلر الذي أثبت أنه ممثل بارع بتأدية التعابير في أفلام مثل «Justice League» و«Train wreck» لكنه هذه المرة يعود إلى أساليبه القديمة في زمن تمثيله بالأفلام المستقلة مثل فيلم «We Need to Talk About Kevin»، وفي حين أنه أكثر من قادر على تأدية دور الشخص الحزين، إلا أن هناك جانبا أكثر دقة من كريدينس كان بحاجة للمضي قدما، وترافق كريدينس في معظم رحلته ناغيني (كلوديا كيم)، لكن في حين أن ظهورها كان مرتقبا للغاية، إلا أنها تبدو إضافة لا داعي لها باستثناء ارتباطها بفولديمورت، لكن هناك بعض مشاهد التحول الرائعة من الشكل البشري إلى الأفعى، التي تظهر إلى أي مدى تطورت المؤثرات البصرية منذ صدور«The Deathly Hallows Part 2» في 2011.