رحمة الله تعالى
(ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون) يخبرنا الله عزّ وجلّ عن سنة سنّها وهي نزول التوراة على موسى وهي من تمام نعمته عليه بعد أن أهلك القرون الأولى الذين كانت خاتمتهم هي الإهلاك العام (فرعون وجنوده)، وبعد أن أنزل الله التوراة لم يعذب أمة بعامة، وهذا من رحمة الله، فقبل انزال التوراة كان الله يهلك الناس كلهم، وبعدها انقطع الهلاك العام وشرع جهاد الكفار بالسيف.
(وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين) إن هذه القصص وهذه الأخبار إنما هي وحي من الله تعالى، الخبر هنا جاء من الله عزّ وجلّ.
دليل صدقك
(ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين) هؤلاء الكافرون تأخر عليهم الرسل بين بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وعيسى عليه السلام وبينه وبين موسى عليه السلام أمد بعيد، والله يقول نحن خلقنا من بعد موسى، لكنهم نسوا ذكر الله وتلهوا بالحياة الدنيا فأضاعوا دينهم وأضاعوا صلاتهم (وما كنت ثاوياً في أهل مدين) لكن هذا الخبر الذي جئتم به عن موسى دليل صدقك.
رسالة محمد صلى الله عليه وسلم
(وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون) ينتقل الله عزّ وجلّ بنا بمشاهد القصص التي بدأها في أول السورة ويبكت بالاخبار والتقريع لهم (ولكن رحمة من ربك) يذكرنا الله بربوبيته وهو الذي أرسل لنا هذا النبي الكريم حتى يصدّق ويتّبع ونشكر هذه النعمة علينا، وينذر العرب التي كانت رسالته صلى الله عليه وسلم أصلا لهم ولغيرهم تبعا (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا).
(ولولا أن تصيبهم مصيبة) بما قدمت أيديهم من الكفر والمعاصي (فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين) أي فأرسلناك يا محمد لدفع حجتهم وقطع مقالتهم.
جدال عقيم
(فلما جاءهم الحق) الذي جاء حق، والحق أولى أن يتبع، فما بالك أن هذا الحق جاء من الله تعالى، وديدن كل معاند إذا أقنعته بحجة أتى بحجة أخرى، والله أقفل عليهم باب الحجة، وهؤلاء لما جاءهم القرآن قالوا مكذبين له ومعترضين بما ليس يعترض به (لولا أوتي مثل ما أوتي موسى) أي أنزل عليه كتاب من السماء جملة واحدة، أما مادام ينزل متفرقا فإنه ليس من عند الله، وهذا الكلام كان تلقينا من اليهود لكفار قريش.
سحران
(قالوا سحران تظاهرا) ادعوا أن القرآن والتوراة كتابان للسحر. قال المفسرون: قالوا إن محمدا صلى الله عليه وسلم وموسى عليه السلام هما ساحران ونحن بما جاءا به كافرون. وقال ابن كثير: سحران يقصد بهما التوراة والقرآن ولكن كيف ترجح بين الأقوال؟ الآية التي تليها تتكلم عن القرآن (قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين).
يقول محمد صلى الله عليه وسلم: لقد جئتكم بهذا الكتاب الموافق لكتاب موسى كتاب الهدى والحق فيجب علينا جميعا اتباع القرآن والتوراة.
اتباع الهوى
(فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم) علة الكفر اتباع الهوى، القلب تطرأ عليه الشبهة وتطرأ عليه الشهوة والشبهة دواؤها العلم الصحيح والشهوة دواؤها مغالبة الهوى على النفس.
الضلال مرض
(ومن أضلُّ ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين) هذا من أضل الناس، حيث عرض عليه الهدى والصراط المستقيم الموصل إلى الله ولم يلتفت إليه ولم يقبل عليه ودعاه هواه إلى سلوك الطرق الموصلة إلى الهلاك والشقاء لأنه ترك الهدى واتبع الضلال، فالهوى مرض إذا أصاب القلب عله، وكثرة المباحات تميت القلب وتعميه.