جاءت سورة العنكبوت تبين لنا المحور في حياة الانسان وهو التوحيد واقامة الدين ومواجهة الفتن، موضوعها العقيدة في اصولها الوحدانية الرسالة، البعث، الجزاء، وتدور السورة حول الايمان وسنة الابتلاء في الحياة وكل من يبتلى من نقص من مال أو صحة او اولاد، وان الله من سنته الابتلاء بالسراء والضراء والعسر واليسر والغنى والفقر، بدأت بالأحرف المتقطعة «ألم» حروف لا يعلمها الا الله قال فيها العلماء الكثير وجمعوها في 14 حرفا نص قاطع له سر قالوا: هي حروف من ذات اللغة دلالة ان الله عز وجل يتحداكم ان تأتوا بمثل هذا القرآن، وقال البعض هي حروف متقطعة تأتي لبيان اعجاز كتاب الله، وقالوا هي من المتشابه الذي لا يعلمه الا الله والذي رجحه ابن كثير انها تدل على اعجاز القرآن وعظمته واعجاز للغة وانتصار لكتاب الله. «ألم» حروف من التنبيه.يبدأ الله عز وجل باستفهام فيه معنى الانكار (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا): امن المعقول ان يكون هناك ايمان دون ان تكون هناك فتنة؟ فهو انكار على من حسب انه تخلص من الفتنة في هذه الدار وإخبار منه عز وجل عن سر هذه الفتنة والمحنة وهو التمييز بين الصادق والكاذب.
ظن الكافرين
(أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون) هل ظن الكافرون ان يعجزونا؟ بئس هذا الظن، الله تبارك وتعالى مكنهم من ادوات المعرفة ولكنهم عطلوها وارتكبوا السيئات وظنوا ان الله سيغفل عنهم فلذلك اقدموا عليها (ساء ما يحكمون) اي ساء حكمهم والله مكنهم من ادوات المعرفة ولكنهم عطلوها.
لقاء الله عز وجل
ثم جاءت البشارة من الـــله عـــز وجل بقوله (من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت.. الآية) ايها المؤمن المشتاق الى لقاء ربك المسارع في مرضاته فإنه آت وكل ما هو آت قريب، ومهما اشتد البلاء فاصبر وتذكر أنها ايام معدودة، وهي من اعظم البشارات لأهل الايمان فتزود للقائه مع الرجاء والأمل في الوصول اليه، بعد ان يمن الله برضوان فيؤذن لهم برؤية الله عز وجل ينسون كل لذة كانت في الجنة لا تعادلها نظرة الى وجه الله عز وجل، فاصبر على دينك واثبت على الحق واللقاء قريب، فحري بالمحب ان يصبر لان الجائزة عظيمة (وهو السميع العليم) سمع وادراك، وسمع استجابة العلم بحالك وافعالك وخواطر قلبك، سميع للأصوات، عليم بالنيات، وهو العليم بمن يصلح لحبه ومن لا يصلح.
الجهاد الأكبر
(ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين) جهاد النفس محتاج الى مجاهدة وإلى وعي ويجرها جرا الى الخير ويجاهد الشيطان وعدوه الكافر لان نفعه راجع اليه وثمرته عائدة اليه، المجاهدة في طاعة الله، نافس الناس في دينهم ولا تنافسهم في دنياهم، هذا هو الاستثمار والتجارة الرابحة مع الله ومن لا يبذل الجهد يدمر نفسه فيجب على الانسان مجاهدة النفس.
العمل الصالح
(والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون) العمل الصالح لا يكون الا عملا خالصا لله ويكون متابعا لأمر الله وما أتى به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
الثبات في المحن
يدور محور سورة العنكبوت حول الإيمان وتثبيته وقت الابتلاء والشدائد والمحن، حيث كان المسلمون في مكة يعانون من المحن والعذاب والشدة، ومقصد السورة الثبات في المحنة والتركيز على الصبر حال الابتلاء والفتن وان الفتن مهما كثرت وتشابكت فهي أوهن من خيوط العنكبوت، وان أعداء الإسلام مهما حاربوه إلا أنهم أضعف من بيت العنكبوت، وفي الآيات اختبار المؤمنين في الشدائد والمحن في الدنيا ومعرفة مدى صلابة إيمانهم وقت الشدة، فالمؤمن هو المجاهد الصابر الذي يصمد ولا يهتز إيمانه، والمنافق الذي يظهر الإيمان أحيانا ولكنه لا يتحمل الأذى في سبيل الله ويسقط من أول محنة تصادفه، أما المؤمن الصادق فهو الذي يستمر على إيمانه ويتجاوز أي فتنة أو محنة، والسورة تثبت للمسلمين الذين فتنهم المشركون وصدوهم عن الإسلام أو عن الهجرة ممن هاجروا، كما تحث السورة على الاجتهاد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعاء الى الله عز وجل وحده، وهي سورة تصور ضعف الكافرين وقوة المؤمنين.
ألقيت المحاضرة في مسجد فاطمة الجسار بمنطقة الشهداء
كنوز وعبر
يقول ابن القيم - رحمه الله تعالى -: فليتأمل العبد سياق الآيات في هذه السورة وما تتضمنه من العبر والكنوز، فإن الناس إذا أرسل اليهم الرسل بين أمرين: إما أن يقول أحدهم: آمنا، وإما ألا يقول ذلك بل يستمر على السيئات والكفر، فمن قال: آمنا امتحنه ربه وابتلاه وفتنه، والابتلاء والاختبار ليتبين الصادق من الكاذب، فمن آمن بالرسل وأطاعهم، عاداه أعداؤه وآذوه، فابتلي بما يؤلمه، وإن لم يؤمن بهم ولم يُطعهم عوقب في الدنيا والآخرة فحصل له ما يؤلمه، وكان هذا الألم أعظم وأدوم من ألم أتباعهم، فلابد من حصول الألم لكل نفس آمنت أو رغبت عن الإيمان، لكن المؤمن يحصل له الألم في الدنيا ابتداء ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة، والمعرض عن الإيمان تحصل له اللذة ابتداء ثم يصير في الألم الدائم، وسئل الإمام الشافعي - رحمه الله -: أيهما أفضل للرجل: أن يمكن أو يبتلى؟
فقال: لا يمكّن حتى يبتلى.
فتبين أن الابتلاء ملازم للمؤمنين في حال الشدة وفي حال الرخاء كما قال تعالى: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون) وكان الابتلاء للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه خطوة على طريق التمكين، فبعد ثلاثة عشر عاما من الفتنة والابتلاء والتمحيص والطرد، والصبر على الإيمان كان التمكـــين فـــي أرض يثرب وكان النصر على من فتــــنوهم وطرودهم.
يقول ابن كثير: ولهذا لما ضاق على المستضعفين بمكة مقامهم بها خرجوا مهاجرين الى أرض الحبشة ليأمنوا على دينهم ثم بعد ذلك هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة الباقون إلى المدينة.