بعد ساعات قليلة من تضييق الخناق الأميركي على الحرس الثوري الإيراني بتصنيفه «منظمة إرهابية أجنبية»، استنفرت إيران في محاولة مستميتة للدفاع عن مؤسستها العسكرية التي وضعت «أميركيا» على قدم المساواة مع القاعدة وداعش.
واستنجد الرئيس الإيراني حسن روحاني امس بأطراف الاتفاق النووي (5+1)إلى تنفيذ خطوات فعلية لمساندة إيران في مواجهة العقوبات الأميركية، قائلا إن بلاده سوف تنتج أجهزة طرد مركزي في حال تواصل الضغوط.
وأضاف - في كلمة له خلال الاحتفال باليوم الوطني للتقنية النووية - عندما قلنا إن أجهزة الطرد المركزي سوف تفعل، فاعلموا أننا اليوم وصلنا إلى إنتاج أجهزة من طراز «آي آر 6» وغدا سوف نصل إلى إنتاج «آي آر 8».
كما اتهم روحاني الولايات المتحدة بأنها «زعيمة الإرهاب الدولي»، مؤكدا أن بلاده تخوض «المعركة ضد الإرهاب منذ نشأته».
وندد روحاني بالإجراء الأميركي، مشيرا إلى التزام الحرس الثوري بمحاربة تنظيم داعش إلى جانب القوات الحكومية في سورية والعراق، مضيفا «من أنتم لتصفوا بالإرهابية المؤسسات الثورية؟».
وخلال لقاء مع قوات من الحرس الثوري، أكد المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي أن الحرس الثوري كان «على خط الدفاع الأول في مواجهة الأعداء في مختلف الساحات داخل الحدود وخارجها على بعد آلاف الكيلومترات في سورية، لكن أيضا في «الساحات السياسية» في إيران، وفق موقعه الرسمي على الانترنت».
وأضاف خامنئي أن الأميركيين «يتوهمون أنهم يرسمون الخطط ضد الحرس الثوري الإسلامي لكن سيرد كيدهم وخداعهم إلى نحورهم».
ورأى روحاني من جهته أن الولايات المتحدة «تريد استخدام الجماعات الإرهابية ضد شعوب المنطقة»، متسائلا «من في العالم اليوم يروج للإرهاب ويشجعه؟».
وأضاف «حتى اليوم، الولايات المتحدة غير مستعدة لمحاربة تنظيم داعش، وأميركا تخبئ قادته، وترفض أن تحدد لحكومات المنطقة مكان وجود قادة التنظيم».
واستذكر روحاني العام 1988، حاملا على الولايات المتحدة على خلفية كارثة الرحلة رقم 655 لشركة الخطوط الجوية الإيرانية التي قتل فيها 290 شخصا بعد إصابتها «عن طريق الخطأ»، بحسب واشنطن، بصاروخ أطلقته باخرة حربية أميركية متوقفة في مياه الخليج.
وسأل «من يصدق أنه اختلط عليكم الأمر بين طائرة ركاب إيرباص وأف-14»، متهما واشنطن بإسقاط الطائرة عمدا.
وتابع الرئيس الإيراني «تريدون أن تقولوا للأمة الإيرانية: ليس لديكم خط أحمر، نقتل أطفالا أيضا نسحق ركابا أبرياء.
رسالتكم رسالة إرهابية موجهة الى العالم أجمع».
من جانبه، عبر رئيس مجلس الشورى الإيراني علي لاريجاني والنواب، عن الاحتجاج على قرار واشنطن بحضورهم الجلسة البرلمانية مرتدين زي الحرس الثوري، مؤكدين ان «الثوري» وجه أكبر ضربة للخطر الإرهابي في المنطقة، ووصفوا الحكومة والجيش الأميركي بأنهما مثالان للإرهاب العسكري والاقتصادي الدولي.
وأعلن المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، إدراجه القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» التي تشرف على منطقة تضم نقاط نزاع عدة بينها أفغانستان والعراق وسورية واليمن والخليج ضمن لائحة التنظيمات الإرهابية.
من جانبه، حذر رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية الميجر جنرال محمد باقري القوات الأميركية في المنطقة من رد «صارم» إذا ارتكبت في غرب آسيا أي خطأ.
كما اصر الحرس الثوري على تهديد واشنطن ردا على القرار فقال قائد الحرس محسن رضائي إنه ينبغي على السفن الحربية الأميركية البقاء على مسافة من زوارق الحرس السريعة في مياه الخليج، مضيفا «يا سيد ترامب قل لسفنك الحربية ألا تمر قرب زوارق الحرس الثوري».
كما ذكرت وكالة تسنيم للأنباء في نفس السياق، أن القوات المسلحة الإيرانية شجبت القرار الأميركي وقالت القوات المسلحة التي تشرف أيضا على الحرس الثوري في بيان إنها «ستستغل كل ما لديها من وسائل لمحاربة» القيادة المركزية الأميركية.
ماذا يعني ويغيّر إعلان الولايات المتحدة: الحرس الثوري الإيراني «منظمة إرهابية»؟
سبق للولايات المتحدة أن هددت أكثر من مرة بإدراج الحرس الثوري الإيراني على قائمة المنظمات الإرهابية.
ولكن التهديدات لم تشق طريقها يوما الى التنفيذ بسبب تحذيرات ومخاوف من أن يؤثر مثل هذا القرار على النشاط الأميركي العسكري والديبلوماسي في المنطقة. ولكنها نفذت الآن تهديدها متجاهلة المحاذير والمخاطر.
وسبق للولايات المتحدة أن استهدفت في السابق «فيلق القدس» التابع للحرس الثوري بالعقوبات ووضعت قائده الجنرال قاسم سليماني على قائمة الإرهاب، ولكنها الآن تصنف الحرس الثوري كله منظمة إرهابية، وهو أول إجراء أميركي يتخذ بحق كيان حكومي أجنبي.
الإدارة الأميركية أرفقت هذا التصنيف بتحذير المتعاونين ماليا من مواجهة تهم بتمويل الإرهاب ودعوة الشركات والبنوك والدول المتعاونة مع الحرس الثوري الى إعادة النظر في تعاملاتها، فيما برر الرئيس ترامب هذا الإجراء، الذي كان يجب أن يتم منذ زمن، على هذا النحو: - الحرس الثوري يقمع الإيرانيين في الداخل ويمارس الإرهاب في الخارج - هذا الإجراء يسمح بزيادة الضغوط على إيران.
من الواضح أن إدارة ترامب لجأت الى محاصرة الحرس الثوري الإيراني ماليا لسببين أساسيين: - الأول: يتصل بالحرب الاقتصادية التي تشنها واشنطن على طهران كبديل عن الحرب العسكرية، وتريدها حربا شاملة، وهي أصبحت الآن كذلك مع فرض عقوبات مالية على الحرس الثوري الذي يشكل «قوة اقتصادية» هائلة في إيران، متحكما بمفاصل أساسية عن طريق العديد من المؤسسات والصناديق الخيرية والشركات التي تعمل في مختلف المجالات.
ويعتبر الحرس الثوري، إضافة الى قوته الأمنية والعسكرية الضاربة وامتلاكه سلطة الإشراف على أسلحة إيران الصاروخية الاستراتيجية وعلى برنامجها النووي، «مؤسسة إيرانية غنية» مثلها مثل مؤسسة النفط الإيرانية و«وقف الإمام الرضا» - الثاني: يتصل بالخطة الإسرائيلية الأميركية الهادفة الى إضعاف إيران إقليميا ووقف تمددها في كل أرجاء المنطقة لأنها تشكل العقبة الرئيسية والكبرى في وجه المشاريع الأميركية، بما في ذلك مشروع ما سمي «صفقة القرن».
ولما كانت السيطرة الإيرانية في المنطقة العربية تتم عبر منظمات وأذرع عسكرية وشعبية مثل حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي والحوثيين، وهذه المنظمات إما تابعة مباشرة للحرس الثوري الإيراني أو تتلقى منه الدعم والمساندة، فإن التركيز الأميركي تحول من هذه «الفروع» المصنفة إرهابية الى الحرس الثوري الذي تعتبره واشنطن منذ تأسيسه أنه لعب دورا رئيسيا في تصدير الثورة الإسلامية وفي إقامة الأنشطة الإيرانية في العراق ولبنان وسورية واليمن، وفي الدخول على خط ما سمي «الربيع العربي» وقطف ثماره والاستفادة من التحولات الجذرية التي أدخلها على موازين وخريطة المنطقة.
ولكن هذا التوجه الأميركي الى تشديد الحصار الديبلوماسي والمالي والاقتصادي على إيران، لن يمر من دون مضاعفات ومن دون ردود فعل من إيران إذا ما شعرت بأن «الإطباق» الأميركي عليها سيؤدي الى «تجويعها» لتأليب الشعب على النظام، أو الى تحجيمها وإضعافها في المنطقة وفك ارتباطها بالمنظمات الموالية والتابعة لها.
وطلائع هذا الرد الإيراني ظهرت من خلال القرار الإيراني بتصنيف الولايات المتحدة دولة راعية للإرهاب، وتصنيف القوات الأميركية المنتشرة في غرب آسيا (العراق وسورية خصوصا) جماعات إرهابية، مع ما يعنيه ذلك من نتيجتين:
- وضع قوات ومصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط في دائرة الخطر والاستهداف.
- جعل التحركات والأنشطة الأميركية في المنطقة، خصوصا في العراق، الأمنية والعسكرية والديبلوماسية أكثر تعقيدا وصعوبة.
الأنظار تتجه الى رد فعل إيران، كيف ستتصرف بعد تصنيف حرسها الثوري إرهابيا؟! وكيف ستترجم تصنيفها الإرهابي للقوات الأميركية، وما إذا كانت ستبادر فعلا الى تحريك حلفائها وجماعاتها لضرب هذه القوات ولزعزعة استقرار المنطقة وقلب الطاولة؟ خصوصا أن الرئيس ترامب لا يفسح في المجال عبر قراراته المتشددة والمتلاحقة، أمام إيران في أن تطبق إستراتيجية الانتظار، أي انتظار رحيله عن البيت الأبيض.
فالمسألة أكثر من مسألة تقديم هدايا الى نتنياهو عشية الانتخابات المصيرية (أمس) وإنما هي مسألة حماية أمن إسرائيل وإبعاد إيران عن حدودها، وحماية نفوذ ومصالح الولايات المتحدة باحتواء مشروع إيران بالسيطرة على المنطقة.