تلك السورة التي سماها الله عز وجل باسم الرجل الصالح لقمان الحكيم ووصاياه لابنه التي جاء ذكرها في هذه السورة الكريمة، وذلك لحكمة وهي إصابة الحق في القول والعمل والموفق من يوفق لها. والباب الموجب للحكمة هو تقوى الله عز وجل.
ومرجعنا في مقياس الأخلاق هو كتاب الله وسنته، وقد بين لقمان لابنه ان شريعة الدين هي إقامة العقيدة وعبادة الله ومعاملة الناس، وعلى الإنسان ان يراعي المنظومة الثلاثية التي تربيهم على التوحيد والعبادة وحسن الخلق، والأخلاق عبادة وهي مثل الصلاة، فعندما تجردت بعض الأمم من أخلاقها تجردت الامة من نجاحها وفلاحها «إنما الأمم الأخلاق» وقد أعطى لقمان لابنه وأوصاه بخلاصة حكمه «التوحيد وعبادة الله والأخلاق».
الحكمة
يخبرنا الله عز وجل عن فضل لقمان، ان الله سبحانه وتعالى اختصه بفضل عظيم فقد اعطاه الله الحكمة، وكأن الله سبحانه ينبهنا الى أمر يقول هذا الكلام الذي سيجري على لسان يجب ان تنتبهوا له لأنه من رجل أعطاه الله عز وجل الحكمة، فهي بيان لأهمية الخطيب الذي سيقول الكلام، وهذا ادعى للاهتمام به، اما لقمان فكما تعرفون فهو رجل أتاه الله عز وجل الحكمة وكان من بني اسرائيل (ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله) فما مناسبتها بما قبلها من الآيات؟ يقول عز وجل (هذا خلق الله) الله سبحانه وتعالى بين امره للقمان ان اشكر لربك، والشكر لا يكون إلا بعبادة الله وتوحيده واتباع امره قولا وعملا، هذا هو الشكر (اعملوا آل داود شكرا) فشكر الله يكون بعبادته وتوحيده فما لله لن يأمر لقمان بشكره دون أن يأخذ بيده إلى الاسباب الموصلة إلى توحيد الله عز وجل وإثبات دلائل توحيده وكمال قدرته وسعة علمه سبحانه، فما كان في الوجه الأول كان بيانا لآيات الله الكونية وقدرة الله في خلقه وتفرده في هذا الخلق، فكان ذلك أدعى لشكر الله عز وجل وأدعى لتوحيده ولعبادته على الوجه الذي أمر به سبحانه وتعالى.
تسميتها
سميت هذه السورة بإضافتها الى لقمان لأن فيها ذكر لقمان وحكمته.
فضلها
روى الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن الا الله، إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الارحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت» ذكر لقمان بأن آتاه الله الحكمة وأمره بشكر النعمة وذكر وصاياه وما اشتملت عليه من التحذير من الاشراك، والأمر ببر الوالدين ومراقبة الله لأنه عليم بخفايا الامور، وإقامة الصلاة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر والتحذير من الكبر والعجب والامر بصفة وسمات المتواضعين في المشي والكلام.
مقاصدها
عالجت السورة قضية العقيدة في نفوس المشركين المنحرفين عن توحيد الخالق وعبادته وحده وشكر آلائه واليقين بالاخرة وما فيها من حساب وجزاء عادل.
وبينت السورة ان دين الاسلام هو الدين الحق، من تمسك به فقد فاز، ومن اعرض عنه فقد خسر خسرانا مبينا. تضمنت السورة تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم بتمسك المسلمين بالعروة الوثقى وانه لا يحزنه كفر من كفر.
كما ردت السورة على المعارضين للقرآن في قوله عز وجل (ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله) وبيان امتداد علم الله سبحانه بلا نهاية وانطلاق مشيئته في الخلق والإنشاء بلا حدود، وجعل هذا دليلا كونيا على البعث والاعادة وعلى الخلق والإنشاء.
كما بينت طبيعة النفس الانسانية إذا جاءها الخطر لجأت إلى الله سبحانه ثم إذا كشف الخطر عنها فمن تلك النفوس من يبقى متمسكا بما عاهد الله عليه ومنها من يرتد على عقبيه ويجحد نعمة الله عليه، وايضا بيان اهمية التقوى في حياة الانسان وان الانسان لا ينفعه يوم الحساب إلا ما قدمه من عمل صالح.
وختمت السورة بالتحذير من دعوة الشيطان والتنبيه إلى بطلان ادعاء الكهان علم الغيب وان الغيب لا يعلمه إلا الله.
ألقيت المحاضرة في مسجد فاطمة الجسار بالشهداء