نحن بين يدي سورة عظيمة تحكي محن الأمة الإسلامية وكيف واجه الصحابة والمسلمين المحن إن أصابتهم.
وتبدأ السورة بثلاثة أوامر، الأمر الأول تقوى الله، والثاني: اتباع كتابه، والثالث: التوكل على الله تعالى.
وهذا مفتاح النور في الدنيا بقول الله تعالى: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفاً كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً ).
النبي محمد صلى الله عليه وسلم أولى بالمؤمنين وأقرب لهم من أنفسهم في أمور الدين والدنيا، فيجب علينا توقير كل ما أمر به وجاء به صلى الله عليه وسلم وبالتالي توقير امهات المؤمنين ووضعهن في المكانة العالية، وحرمة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم على أمته كحرمة أمهاتهم، فلا يجوز نكاح زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم من بعده، وذوو القرابة من المسلمين بعضهم أحق بميراث بعض في حكم الله وشرعه من الإرث بالإيمان والهجرة، وكان المسلمون في أول الإسلام يتوارثون بالهجرة والإيمان دون الرحم ثم نسخ ذلك بآية المواريث. إلا ان تفعلوا - أيها المسلمون إلى غير الورثة معروفا بالنصر والبر والصلة والإحسان والوصية كان هذا الحكم المذكور مقدرا مكتوبا في اللوح المحفوظ فيجب العمل به.
وفي الآية وجوب كون النبي صلى الله عليه وسلم أحب الى العبد من نفسه، ووجوب كمال الانقياد له، وفيها وجوب احترام امهات المؤمنين، زوجاته صلى الله عليه وسلم .
مشكاة واحدة
(وَإِذْ أَخَذْنَا مِنْ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً ) واذكر - يا محمد - حين اخذنا من النبيين العهد المؤكد بتبليغ الرسالة وأخذنا الميثاق منك ومن - أولي العزم - وقد شرف الله تعالى نبينا بالبدء حين ذكرهم، ذكر أول الأنبياء ابتدأ - منك - ثم ذكر نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وهؤلاء الأنبياء سيرتهم عظيمة ودعوتهم كانت مليئة بالحكمة والصبر حتى نالوا هذه المكانة العالية.
الميثاق الغليظ
(وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً) هؤلاء النبيون قد أخذ منهم الميثاق الغليظ في الإبلاغ وتبليغ الرسالة وأداء الأمانة، هذا الميثاق أخذه الله عز وجل من كل الأنبياء.
موقف عظيم
(لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ ) مشهد عظيم يظهر فيه صدق الصادقين ويسأل عن صدقهم فكيف بغيرهم الكاذبين اذا سئلوا وحوسبوا، يسألون وهم صادقون، فكيف بمن دونهم من الكاذبين والمنافقين والمفسدين.
(وأعدّ للكافرينَ) يوم القيامة اعد الله للكافرين عذابا شديدا في جهنم والكفر في اللغة هو التغطية، فكل من غطى شيئا قيل كافر، وضرب الله مثل المكذبين الذين يعرفون الحق ويغطونه بالكذب.
نعم الله
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً ) ثم جاء الخطاب لله رب العالمين الى المؤمنين، يذكر الله تعالى عباده المؤمنين بنعمته عليهم ويحثهم على شكرها، حين جاءتهم جنود عظيمة وأمم كثيرة وذلك في غزوة الأحزاب وهي غزوة الخندق، حين اجتمع عليكم المشركون من خارج المدينة واليهود والمنافقون من المدينة وما حولها فأحاطوا بكم، فأرسلنا على الأحزاب ريحا شديدة اقتلعت خيامهم وقلبت قدورهم وأرسلنا ملائكة من السماء لم تروها، فوقع الرعب في قلوبهم.
(وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً ) لا يخفى عليه من ذلك شيء.
حسن الظن بالله
(إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً ) اذكروا إذ جاؤوكم من فوقكم، من اعلى الوادي من جهة المشرق، ومن اسفل منكم، من بطن الوادي من جهة المغرب، وإذ شخصت الأبصار من شدة الحيرة والدهشة، وبلغت القلوب الحناجر من شدة الرعب وغلب اليأس المنافقين وكثرت الأقاويل وتظنون بالله الظنون السيئة أنه لا ينصر دينه ولا يعلي كلمته. وهناك من ثبت وظن بالله النصر والعزة وتوكل على الله، وهناك من ذهبت بهم الظنون وهم ضعاف الإيمان.
حسبة البشر انه لابد ان يخسر المسلمون المعركة حين يقول المنافقون وضعاف الايمان في لحظة انهزامهم نطقوا بما في قلوبهم وهنا يفضح الله المنافقين.
موقف عصيب
(هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً) في هذا الموقف العصيب اختبر إيمان المؤمنين وعرف المؤمن من المنافق واضطربوا اضطرابا شديدا بالخوف والقلق ليظهر إيمانهم ويفضح الله المنافقين.
ضعفاء الإيمان
(وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً ).
في لحظة انهزامهم نطقوا بما في قلوبهم وقال المنافقون: ما وعدنا الله ورسوله من النصر والتمكين ما هو إلا باطل من القول وغرور فلا تصدقوه.
غزوة الأحزاب
غزوة الاحزاب والتي يطلق عليها غزوة الخندق ايضا، وهي من الغزوات التي وقعت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وكان القائد للمسلمين فيها ضد مجموعة من القبائل العربية التي اجتمعت لغزو المدينة المنورة وتدميرها والتخلص من الدولة الإسلامية والمسلمين، وهذا سبب تسميتها بالأحزاب فلم تكن ضد اشخاص من فئة واحدة بل من مجموعة من الفئات والقبائل.
سبب الغزوة
كانت هناك معاهدة بين المسلمين واليهود من بني النضير، ولكن اليهود معروفون بنقضهم للعهود وهذا ما قاموا به وحاولوا قتل الرسول صلى الله عليه وسلم فما كان من الرسول والمسلمين إلا الرد على هذا النقض، فأرسل الرسول جيشه إليهم وحاصرهم الى ان استسلموا وبعد تلك الهزيمة اراد اليهود الانتقام فقاموا بتحريض القبائل العربية المختلفة على الرسول والمسلمين والدولة الاسلامية فاستجاب العرب لهم وانضم إليهم يهود بني قريظة وبدأوا في التحضير للغزو.
ألقيت المحاضرة
في مسجد فاطمة الجسار بالشهداء