يستمر «الغاز المسيل للدموع» في حصد المزيد من أرواح المحتجين العراقيين، رغم تأكيد السلطات العراقية أن هذه الغازات لا تحوي مواد سامة، فيما يبدو أن الأزمة التي دخلت شهرها الثاني، باتت البلاد أمام طريق مسدود، بسبب تمسك قادة الأحزاب والتيارات بمكاسبهم المالية والسياسية ورفضهم تقديم أي تنازل يطالب به المتظاهرون، بحسب خبراء ومسؤولين.
فقد تجدد سقوط الضحايا مع تجدد الاحتجاجات في بغداد وتسع محافظات عراقية أخرى امس، بعد ليلة صاخبة شهدت أعمال عنف واضطرابات. وتجاوز عدد القتلى امس 7 قتلى وعشرات الجرحى أمس مع استمرار حالة العصيان المدني. ومن لم يمت بالرصاص الحي مات بالغاز المسيل للدموع الذي قالت وسائل الإعلام ان التحقيقات أكدت أنه لا يحتوي مواد سامة، رغم العدد الكبير من القتلى الذي سقط جراء استخدامه.
وذكر شهود عيان، لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ)، أن «المئات من المتظاهرين شرعوا بقطع الطرق الرئيسية لمنع وصول العمال والموظفين وطلبة المدارس والجامعات إلى أماكن عملهم، وأضرم متظاهرون النار في الإطارات في محافظة البصرة».
وأضاف الشهود ان «شوارع بغداد والمحافظات التي تشهد احتجاجات، شهدت انتشارا لافتا للقوات الأمنية والعسكرية وقوات مكافحة الإرهاب والشغب وغيرها، وذلك بعدما تداول متظاهرون دعوات على شبكات التواصل الاجتماعي للخروج في مظاهرات كبيرة».
وأوضحوا أن المحتجين نجحوا بإجبار طلبة المدارس والجامعات والموظفين على العودة إلى منازلهم رغم محاولة القوات الأمنية تفريق المتظاهرين المنتشرين بإطلاق الغاز المسيل للدموع والهراوات، كما واصل المحتجون اعتصامهم في ساحة التحرير وعلى مقربة من 3 جسور مقطوعة هي الجمهورية والسنك والأحرار.
أما في الناصرية التي تعد، مع الديوانية، رأس الحربة في موجة الاحتجاجات في الجنوب، قتل 3 متظاهرين بالرصاص وأصيب 53 آخرين ليل أمس الأول توفي احدهم لاحقا متأثرا بجراحه، بحسب مصادر طبية.
وفي محافظة البصرة، أعلن مصدر أمني عراقي دخول شرطة البصرة حالة الإنذار القصوى (ج)، وذلك حتى إشعار آخر.
وقال المصدر لقناة (السومرية نيوز) امس: إن شرطة المدينة اتخذت الخطوة «تحسبا لوقوع أي طارئ».
كما قتل 3 متظاهرين في بلدة أم قصر في المحافظة الغنية بالنفط، بحسب ما أفادت مفوضية حقوق الإنسان، مشيرة الى أن الإصابات وقعت جراء إطلاق «الرصاص الحي» في أم قصر، حيث الميناء الحيوي بالنسبة الى العراق.
وعمد المحتجون الى قطع بعض الطرق الرئيسية ومنها المؤدي الى ميناء أم قصر الذي يعد المرفق الحيوي لاستيراد المواد الغذائية والأدوية.
وأفاد شهود عيان بأن القوات العراقية فرقت مجموعات من المتظاهرين حاولوا السيطرة على الطرق المؤدية إلى الميناء فتصدت لهم قوات الأمن بإطلاق الرصاص في الهواء ومطاردة المتظاهرين في الطرق القريبة.
وأوضح الشهود ان المتظاهرين ابتعدوا عن المنطقة، وأحكمت قوات الأمن السيطرة على مداخل الميناء الذي عاد للعمل قبل أيام.
واتسعت رقعة الاحتجاجات في الناصرية، لتشمل حرق مبنى الوقف الشيعي، وإقفال طرق مؤدية الى مقر شركة نفط ذي قار، وحقل كطيعة النفطي.
كما بقيت غالبية الدوائر الحكومية والمدارس مغلقة في مدن الحلة والديوانية والنجف والكوت والعمارة والبصرة، وفقا لفرانس برس.
وشهدت مدينة كربلاء، مواجهات بين قوى الأمن والمتظاهرين، وتبادل الطرفان قنابل المولوتوف الحارقة، بينما اتهم محتجون قوات الأمن باستخدام الرصاص الحي.
ومقابل إصرار المحتجين على عدم مغادرة الشوارع والساحات حتى تحقيق مطلبهم بإسقاط السلطة الفاسدة، يبدو أن الطبقة السياسية بدورها مصرة على عد التخلي عن مكاسبها، ما أدخل العراق في النفق المسدود، بحسب خبراء ومسؤولين.
وتعمل معظم التيارات الشريكة في السلطة وفق مقولة «كلام الليل يمحوه النهار»: في تصريحاتها تأييد للإصلاح والعزم على مكافحة الفساد والاستجابة لطلبات المحتجين في بغداد ومدن الجنوب منذ الأول من أكتوبر، وفي الخفاء عمل متواصل على تقاسم المغانم والمناصب، بحسب ما تؤكد مصادر سياسية عدة لوكالة فرانس برس.
ويصطدم رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي برفض الأحزاب للتغيير خشية فقدان مكاسبها في بلد غني بنفط يدر مليارات الدولارات سنويا.
ولم تغير الاحتجاجات التي راح ضحيتها نحو 350 شخصا غالبيتهم من المتظاهرين، من الممارسات السياسية.
ويقول مصدر مقرب من السلطة لفرانس برس: «الوضع وصل إلى نفق مظلم، وليس هناك حل في الأفق للأزمة الحالية رغم الضغط الشعبي الجاري». ويرى سياسي عراقي بارز إن مسؤولي الأحزاب والكتل «يرفضون الخروج من التشكيلة الوزارية التي تضيع مكاسبهم».
وبحسب الخبير الاقتصادي علي المولوي، زاد عدد موظفي القطاع العام 3 أضعاف منذ 2003، بينما كانت الزيادة في الرواتب التي تدفع لهؤلاء 9 أضعاف!
ويقول مصدر حكومي لفرانس برس إن المناصب باتت تخضع لمنطق البيع والشراء، موضحا ان «وزارة معينة تخصص لحزب سياسي، ويقوم الأخير ببيعها لمن يدفع المبلغ الأكبر». ويشير الى ان بعض الوزارات بيعت بـ 20 مليون دولار. وفي بلد متعدد الطوائف والانتماءات، باتت هذه العوامل أساسية في التعيينات الرسمية، بحسب الباحث العراقي حارث حسن.
ويوضح ان «صيغة الحكم الاتني-الطائفي وزعت السلطة والموارد بين العديد من اللاعبين» المؤثرين في التركيبة الحاكمة، مشيرا الى أن هؤلاء «استفادوا من ضعف المؤسسات الرسمية لتعزيز سلطاتهم الذاتية». في الآونة الأخيرة، وبينما كان عشرات الآلاف من العراقيين في الشارع يطالبون بـ «إسقاط النظام» والإصلاح، تسربت قائمة بتعيين عدد كبير من المديرين العامين والوكلاء في الوزارات وفق انتماءات حزبية وسياسية. فعلى سبيل المثال، عين فالح، شقيق هادي العامري رئيس ائتلاف «الفتح» وزعيم منظمة بدر المقربة من إيران وأحد الداعمين لوصول عبدالمهدي الى السلطة، رئيسا لدائرة المنظمات في وزارة الخارجية والتي تتعامل مع غالبية المنظمات الدولية.
كما عينت شقيقة العامري مستشارة في وزارة الخارجية.
وعين جعفر الصدر، ابن عم رجل الدين الشيعي البارز مقتدى الصدر، سفيرا للعراق في لندن، وهو الآخر لا يجيد الإنجليزية. كما عين أحمد الصدر، ابن شقيق مقتدى، في منصب السكرتير الأول في السفارة.