(الذين كفروا لهم عذاب شديد) الله عز وجل يخبر من اتبع الشيطان وغوايته، وكفر بالله وجحد أنعمه، بأن له عذابا شديدا من الله عز وجل، وفي المقابل: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير)، الله عز وجل كبير فإذا جاءك الأجر الكبير من الله عز وجل والله لن تتخيلوا قدره وعظمته، لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، أدنى مراتب الجنة، أقل درجة في الجنة مثل الدنيا وما فيها عشرة أضعاف، الله عز وجل يغفر لهم ذنوبهم، وقلنا المغفرة جاءت من كلمة المغفر، والمغفر عند العرب غطاء الرأس في الحرب الذي يقي الضربات، فالله عز وجل يقول من رحمته أنه ليس فقط يقبل منك التوبة ولكن من رحمته يمحو أثر هذا الذنب، فلا يعود موجودا ولا كأنه كان، إنه رب رحيم.
هل يستوي هذا وهذا؟
ويعجب الله عز وجل في هذا السؤال الذي يدعو للإنكار يقول سبحانه وتعالى: (أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا) طبعا الآية فيها تغميم، هل يستوي هذا الذي زين عمله وهو عمله سيء ورأى أن عمله السيئ هذا حسن مع الذي عمل عملا حسنا وهو على حق وصدق؟! لا يمكن أن يصل، والله عز وجل يقول هنا إن الشيطان يحسّن للإنسان عمله السيئ، وقال الله عز وجل (زيّن)، هنا العرب تسمي هذه البنية من الكلمة (ما لم يسم فاعله)، هي ممكن تكون الجملة مثلا (زين الشيطان للرجل قتل ابنه)، لكن لما نقول (زُين للرجل قتل ابنه)، حذف الفاعل فتقول العرب عن هذه البنية (ما لم يسم فاعله)، الآن في النحو الحديث نسميه المبني للمجهول، ولكن هي أصلها في اللغة في نحو العرب (ما لم يسم فاعله)، وهذه لها أغراض بلاغية منها تعدد الفاعل، فإن الشيطان يزين للإنسان والنفس أيضا تزين للإنسان، إياك أن تتخلى عن مسؤوليتك الشخصية، أيضا أنت مسؤول، وتزيين الأعمال الكبيرة للدلالة على عظمها وكثرتها، يقول سبحانه وتعالى: (أفمن زيّن له سوء عمله فرآه حسنا)، هذه على كل كافر، وعلى كل مشرك، يرى أنه على خير، يرى أن بشركه هذا هو يصيب الخير والحق، ويكون صاحب بدعة يرى أنه ببدعته هذه يصيب بها الحق والصواب، ولكن هذه مصيبة لأن هذا التزيين ما هو إلا من الشيطان، يقول سبحانه وتعالى: (فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ)، يسلي نبيه الكريم، ويواسي قلبه، (إن الله عليم بما يصنعون)، الله سبحانه وتعالى يهدي من أراد الهدى ويكل إلى الضلال من أراد الضلال، وهو سبحانه وتعالى بيده الأمر كله ولا يخرج شيء من إذنه ومشيئته، فالله سبحانه وتعالى إنما يؤخرهم لأجل معلوم، ووقت معلوم، يقول سبحانه وتعالى: (فلا تذهب نفسك عليهم حسرات)، سيجازيهم الله عز وجل على اعمالهم السيئة فلا تهلك نفسك أيها النبي الكريم حزنا على كفر الكافرين، إن الله عليم بقبائحهم وافعالهم وسيجازيهم عليها، قال عز وجل: (إن الله عليم بما يصنعون)، والله عز وجل جاء هنا بالمضارعة لم يقل صنعوا ولكن بما يصنعون، الله سبحانه وتعالى علمه محيط بكل شيء.
آيات الله
بعد ان بين الله عز وجل احاطة علمه عاد إلى بيان بعض من قدرته في مظاهر الكون، قلنا أن فاطر فيها دلائل التوحيد من خلال آيات الله الكونية، فيخبرنا الله عز وجل عن آية من آياته يقول: (وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ)، أربع مراحل، أرسل الرياح، تثير سحابا، سقناه إلى بلد ميت، فأحيا به الأرض بعد موتها، يرشدنا الله عز وجل إلى مظاهر قدرته في هذا الكون العظيم، فالله عز وجل غالبا ما يضرب للمعاد مثلا بإحياء الأرض، بعد موتها، فكما أن هذه الأرض تحيا بعد أن كانت جفافا وقاحلة تحيا بالماء والمطر فتنبت وتخضر، كذلك الله عز وجل قادر على إعادة الإنسان، وهو سبحانه وتعالى في هذه الآية يخبرنا عن أربع ظواهر كونية لو توقف الإنسان عند دراسة واحدة منها يأخذ فيها مجلدات، قال عز وجل مشيرا إلى الرياح: (والله الذي أرسل الرياح)، الرياح هذه كيف تتحرك؟ كيف تأتي؟ كيف تذهب؟ هذه التي نسميها نحن الآن التيارات الهوائية كيف نشأت؟ هذا النظام الذي تسير فيه أمر عجيب، تقدير من الله عز وجل، ثم أشار عز وجل إلى السحاب الذي ينشؤه سبحانه وتعالى في السماء، ثم تسوقه هذه الرياح كأنها راع يسوق غنمه أمامه، ثم لفت عز وجل إلى الأرض القاحلة الميتة التي لا نبات فيها ولا حياة، إذا رأيتها قلت لا يمكن ان تخضر هذه الارض، لا يمكن، ثم إذا نزلت عليها قطرات من الماء اخضرت، فمن يذهب إلى مكة هذه الأيام يجد نزول المطر فيها، مكة قاحلة، الدخول اليها مهيب لأنك تأتي إلى مناطق جبلية قاحلة فيها جبال صلدة وأرض قاحلة والله تجدها كأنها قد كسيت جلاد أخضر، شيء خفيف هكذا لكن سبحان الله يظهر اللون الأخضر، طيب كيف حيا؟! أمر عجيب، سبحانه وتعالى يقول فأحيا به الأرض، حياة الأرض.
كيف تتفاعل الأرض كيف تنبت ما في داخلها ما فيها جوفها قدرة عجيبة، يقول عز وجل: (كذلك النشور)، أخبرنا صلى الله عليه وسلم بأن كل ابن آدم ينبت من الارض كما تنبت الحبة، كما تنبت الشجرة من الحبة، قال صلى الله عليه وسلم كل ابن ادم يبلى إلا عجب الذنب منه خلق ومنه يركب، يعني سبحان الله يتحلل الإنسان فيبقى عجب الذنب الذي نسميه (العزيزو)، عجب الذنب، فينبت الإنسان منه كما ينبت الشجر من البذرة وما ذلك على الله بعزيز، كذلك يبعث الإنسان مثلما تحيا البذرة من الارض وتصبح شجرة كذلك الله عز وجل يبعث هذه الأجساد من الأرض فتقف مكتملة، النشور يوم القيامة نعم، النشور القيام.
فضل سورة فاطر
توجيه للقلب من الله وإيقاظه من الغفلة واستشعار لفضله تعالى، ومن فضل سورة فاطر أنها تبين عظيم صنع الله وتثبت تفرده بالألوهية واستحقاقه للحمد والثناء.
ومن فضلها تثبت صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وتثبت البعث واليوم الآخر وتذكر الناس بالنعم وتحذرهم من الشيطان.
وسبب نزولها جاء تلبية لمقاصد الشريعة الإسلامية التي تتعلق بمسائل العقيدة مثل الدعوة إلى توحيد الله وهدم قواعد الشرك بالله، وإقامة الأدلة والبراهين على وجود الله والحث على تطهير القلوب من الرزيلة والتحلي بالاخلاق الجميلة.
ألقيت المحاضرة في مسجد فاطمة الجسار بمنطقة الشهداء