Note: English translation is not 100% accurate
قال إن ثقافتنا لا تعرف وظيفة الأديب المتفرغ كما في الغرب
محمد جمال بمناسبة صدور كتابه «عن عاشق لا يموت»: ما أحوجنا في هذا الوقت لتقبل الآخر في ظل تزايد الأفكار المتطرفة
16 نوفمبر 2014
المصدر : الأنباء



الأدب رحلة ومحاولة جادة لاستكشاف الإنسان وهنا يتقاطع هذا المعنى مع الطب
الأدب مجال إبداعي غير محدد الملامح والطب مجال واضح ودقيق ومحدد ومستقبله الوظيفي معروف
القراءة تنمي الوعي وتوسع الآفاق نحو مزيد من الانفتاح والقبول بالآخر
علينا ألا نتجاهل زيادة الإقبال على معارض الكتاب في الآونة الأخيرة
هناك طلب على كتب متنوعة بعد أن كان الإقبال في السابق على كتب الطبخ وتفسير الأحلام غالباً
جمهور القراء يشكلون مصدراً أساسياً لتقييم أعمال الكاتب ومستواه ونجاحه أو فشله
تطور عمليات النشر والتوزيع ووسائل التكنولوجيا الحديثة ساهم في زيادة الوعي والانفتاح
الأديب الأرجنتيني خورخي لوي بورخيس من أكثر الأدباء الذين تركوا لديّ تأثيرات عميقة
حوار: محمد هلال الخالديمع انطلاق معرض الكويت الدولي للكتاب في دورته الـ 38 الأربعاء المقبل، سيصدر الكتاب الأول للطبيب الأديب د.محمد جمال عن دار مدارك الرائدة بعنوان «عن عاشق لا يموت»، والذي يحتوي على ست قصص قصيرة، تعيد للأذهان روائع الطبيب الأديب الروسي العظيم أنطون تشيكوف، الذي سجله التاريخ كأعظم كاتب قصص قصيرة. ورغم كونه الانتاج الأدبي الأول له إلا أنه يمثل تجربة رائعة بحق، فهو مجموعة قصصية متنوعة تأسرك وتأخذك في رحلة عقلية مليئة بمتعة القراءة والشغف بمعرفة ما الذي سيحدث في النهاية. عمل ممتع ومميز يحمل الكثير من التصورات والمفاهيم، يطرح العديد من الأسئلة العميقة التي تتعلق بالإنسان، بوجوده ومشاعره وكينونته ومصيره.. جمال تحدث عن تجربته مع الكتابة واختياره مجال الطب رغم اهتماماته الأدبية في مرحلة الدراسة، ويؤكد أنه استفاد كثيرا من دراسة الطب في مجال الكتابة الأدبية والعكس.وتطرق جمال الى الحديث عن بعض من تأثر بهم من الفلاسفة، كما تحدث عن تطور عمليات النشر والتوزيع وسهولتها حاليا في ظل وسائل التكنولوجيا الحديثة.ورغم أنه شاب في مقتبل العمر، إلا أن الحديث معه يبهر حقا لعمق أفكاره وغنى تجربته في الحياة، والتي تتجسد في كثير من معانيها ـ بطريقة أو بأخرى ـ في كتابه الجديد.والذي تحدث عنه وعن تفاصيل أخرى في هذا اللقاء:حدثنا عن تجربتك في الكتابة، ومتى كانت بداياتك؟
٭ البداية كانت في المدرسة، كنت أميل للشعر والأدب بشكل خاص، وكنت أشارك في المسابقات الشعرية والأدبية وحصلت ذات مرة على المركز الأول في مسابقة الإلقاء في الشعر العربي.وفي المدرسة تطورت معي الكتابة وحب القراءة، خاصة قراءة القصص والروايات العالمية، ثم شغلتني دراسة الطب بعد ذلك بصورة كبيرة، إلا أن الأدب كان دائما في ذهني، كما أن الطب البشري وإن كان مجالا علميا وموضوعيا تماما إلا أنه يدرس الإنسان في النهاية، وهناك رابط كبير بين الطب والأدب كما لمسته عن قرب، فممارسة الطب تكشف لنا الكثير من حقائق الإنسان، وتجعله شاخصا أمامنا بوصفه «عالما قائما بذاته»، وهذا العالم هو الموضوع الرئيسي لمعظم وأهم الأعمال الأدبية العالمية الإنسان في أدق تفاصيله ومشاعره وحالاته الانفعالية المختلفة، ورسالة الأدب في نهاية المطاف هي الإنسان، والأدب رحلة ومحاولة جادة لاستكشاف الإنسان، وهنا يتقاطع هذا المعنى مع الطب الذي يقدم لنا معرفة علمية واسعة حول حقيقة الإنسان.
ولماذا اخترت الطب رغم اهتماماتك الأدبية في مرحلة الدراسة الأولى؟
٭ كنت أدرك أن الأدب مجال إبداعي غير محدد الملامح، بمعنى أن هناك موهبة وإبداعا لكن لا يعرف صاحبها أين ستأخذه، وماذا سينتج عن هذا الابداع والخيال، بينما الطب مجال واضح ودقيق ومحدد ومستقبله الوظيفي معروف، ولا ننسى أن ثقافتنا بصورة عامة لا تعرف تقريبا وظيفة الأديب المتفرغ كما هو الحال في الغرب، لعدة أسباب منها ما يتعلق بدور النشر التي تحتضن الكاتب وبحجم القراءة وانتشار الكتب والمكتبات المجهزة للقراءة وغيرها. هناك سبب يتعلق بميولي الشخصية أيضا وهو أن الطب مجال متجدد يوميا ويكاد يخلو من الروتين الممل، وأنا أكره الروتين بشدة، حتى إنني اخترت أقل التخصصات الروتينية في الطب وهو الجراحة، لأنه متجدد يوميا وتقريبا لا توجد حالة تشبه الأخرى.
وماذا استفدت من دراسة الطب في مجال الكتابة الأدبية تحديدا؟
٭ أول وأهم حقيقة تعلمتها أن الإنسان عالم بذاته، داخله يختلف عن خارجه، نحن نرى الناس بهيئة معينة وملامح وتعبيرات قد توحي لنا بأشياء تختلف كليا عما يشعر به هذا الشخص، ترى إنسان مبتسم وفي داخله آلام وأحزان لا يعلمها إلا الله عز وجل. لا أقصد النفاق أو تعمد خداع الآخرين، وإنما أقصد أن البشر يصعب عليهم التعبير عن مشاعرهم بصورة دقيقة، حتى إن أرادوا التعبير، فاللغة تكون دائما قاصرة أمام كشف عالم الإنسان الداخلي، ولذلك نسمع كثيرا عبارة يرددها الجميع.. «أريد أن أقول شيء لكني لا أعرف كيف أقوله». هذه العبارة يقولها أغلب الناس، وميزة الأدب والفنون بصورة عامة أنها «تقترب» كثيرا من هذه المشاعر وتتمكن من اظهارها في لوحة أو تمثال أو عمل مسرحي أو سينمائي أو رواية أو قصيدة.. الخ، وهذا هو سر روعة الفنون والآداب، لأننا نجد فيها تعبير واضح عما نعجز أن نعبر عنه.دراسة الطب بالنسبة لي أسهمت كثيرا في هذه المقاربة.
حدثنا عن الكتاب ولماذا اخترت هذا العنوان بالذات «عن عاشق لا يموت»؟
٭ الكتاب عبارة عن مجموعة قصص قصيرة، 6 قصص بالتحديد. الأولى بعنوان «حناء النور»، وهو عالم خيالي مكونه الأساسي هو النور، حتى أجساد الناس شفافة وقلوبهم تشع بالنور بدرجات تتفق مع حجم الخير والشر لديهم.والقصة الثانية «إي آر ثوراكوتومي» ذات طابع طبي، وإي آر اختصار لقسم الحوادث، وثوراكوتومي هي عملية فتح الصدر، بدأت هذه العملية في حرب الولايات المتحدة ضد فيتنام ، موضوعها عن معنى الحياة والموت وحول بيئة غرف العمليات.
أما القصة الثالثة «مت عاشقا إن شئت ألا تموت»، وهي عن قصة خيالية لكن شخصياتها تاريخية حقيقية، موضوعها الأساسي هو الحب بكل ما يحمله من معاني، هي الحياة. والقصة الرابعة بعنوان «جراح في الغزو»، وفيها محاولة لإنصاف الجهاز الطبي الذي كانت له جهود رائعة وعظيمة في فترة الاحتلال العراقي عام 1990، بتناول أدبي لموضوع أعتقد أنه تم تجاهله لفترة طويلة وأجد من قلة الوفاء وعدم الانصاف الاستمرار في تجاهله.
والقصة الخامسة «غياب البعض حضور»، وهي قصة خيالية عن فترة الاحتلال العراقي أيضا، لكن بتناول جديد يحمل تصورا خياليا لمسار مختلف تماما لأحداث الغزو التي حدثت، بمعنى سيناريو متخيل ومختلف تماما عما حصل فعلا. أما القصة السادسة والأخيرة فهي «كما الشمس»، وتدور حول آخر ساعة من حياة شاب، سيموت لكنه لا يعرف ذلك.
في مجال عملك كطبيب، تواجه الموت يوميا وتراه أمامك بلا شك مع من يفارقون الحياة على سرير المرض، ومع هذا نجد في كتابك الكثير من التفاؤل والحب، ألم تترك مشاهد الموت شيئا من التشاؤم والحزن عليك؟
٭ يقول الفيلسوف الألماني مارتن هيدجر، الإنسان يولد فردا واحدا، يعيش حياة متعددة، ثم يموت واحدا. والطبيب يتعامل مع هذا الواقع كل يوم، والموت حقيقة إنسانية يدركها الجميع وليس الأطباء فقط، وهذا بلا شك مدعاة للحزن. لكن الحياة تستمر، ونحن نحتاج للحب لنعيش، فالحب هو أساس وجودنا وبقائنا، وفي الكتاب ذكرت هذا بالتحديد، وهو محور الكتاب في الحقيقة، فالشيء الوحيد الذي يجعلنا نضحي بحياتنا من أجله هو «من نحب»، والشيء الوحيد الذي له قيمة في حياتنا هو الشيء الذي نحب.يقول الإغريق القدماء على لسان مؤرخهم هيسيود «إن الله خلق الأرض والحب معا فكانا أول مخلوقين إطلاقا..» الحب يصنع من أبسط الأشياء شررا ثم يستحيل نارا تحرق كل شيء، ولذلك أقول: «مت عاشقا إن شئت ألا تموت».
كثيرون هم الفلاسفة والشعراء والأدباء الذين يؤثرون فينا، فمن تذكر منهم أشد تأثيرا عليك؟
٭ كثيرون بلا شك، وأعتقد أن كل كتاب يقرأه الانسان يترك في نفسه أثرا، والاختلاف في الدرجة والنوع فقط، بتأثير سلبي أو إيجابي، كبير أو صغير.أحببت كثيرا الفيلسوف الألماني شوبنهور، ونيتشه، وغوته، وتشيكوف. لكن بصورة أكبر أجد الأديب الأرجنتيني خورخي لوي بورخيس من أكثر الأدباء الذين تركوا لدي تأثيرات عميقة.
شهدت الآونة الأخيرة «موجة» عالية من النشر على مستوى الشباب، مئات الروايات الصغيرة وبعضها سطحي بلا فكر ولا موضوع، ما رأيك في هذا؟
٭ في أي قضية نستطيع تلمس جوانب سلبية وجوانب إيجابية، وتتبع الجوانب السلبية أسهل بكثير علينا فيما يبدو، بالنسبة لي أنظر للجوانب الإيجابية لهذا الحدث، وهي أولا زيادة الاهتمام بالقراءة وهذا أمر مهم جدا، ولا يخفى على أحد التقارير المخجلة التي تتحدث عن عدد ساعات القراءة في عالمنا العربي، ثانيا هناك زيادة اهتمام من قبل دور النشر بالكتاب والمؤلفين، وكذلك تطور عمليات النشر والتوزيع وسهولتها مع وسائل التكنولوجيا الحديثة التي سهلت الكثير من هذه الأمور، كل هذا يساهم في زيادة الوعي والانفتاح وتوسيع الآفاق المعرفية والثقافية لدى الناس وبالتالي تقبلهم للآخر، وما أحوجنا لهذا في هذا الوقت بالذات مع تزايد الأفكار المتطرفة التي هي في نهاية المطاف نتاج فكر جامد ومتعصب يدعي امتلاك الحقيقة ويرفض الآخر بكل ما فيه.
هناك أعمال سطحية وساذجة صحيح، لكن الأهم أن تصبح القراءة ثقافة اجتماعية واسعة، والجمهور سيرفض الأعمال السطحية ويطلب الأعمال الجيدة التي تحمل فكرا ورسالة وتتسم بالعمق والأصالة، في النهاية لن يصمد سوى الجيد، وعلينا ألا نتجاهل زيادة الإقبال على معارض الكتاب في الآونة الأخيرة، وزيادة الطلب على كتب متنوعة وروايات بعد أن كان الإقبال في السابق على كتب الطبخ وتفسير الأحلام غالبا، شيء جيد أن تصبح الروايات والكتب الثقافية في مجالات الفلسفة وعلم النفس والتاريخ ومختلف العلوم محل اهتمام وطلب متزايد، وهذا بحد ذاته سيضع مسؤولية مضاعفة على الكتاب والمؤلفين، الكبار والصغار، المخضرمين والجدد على حد سواء، فجمهور القراء يشكلون مصدرا أساسيا لتقييم أعمال الكاتب ومستواه ونجاحه أو فشله.
ما مشاريعك القادمة في مجال الأدب؟
٭ حاليا هذه تجربتي الأولى في التأليف، وأعتقد أنها بحاجة لفترة تقييم ومراجعة بالتأكيد بعد فترة من الزمن، لكن أستطيع أن أقول ان قصة «حناء النور» تشغل في ذهني حيزا كبيرا من التفكير، وهناك نية مبدئية لتطويرها لتكون مشروعا أكبر ومستقلا، أي رواية كاملة بهذا المعنى والموضوع والأفكار، وهي تتناول مجموعة من المفاهيم والتصورات من دون أحكام أو تصورات مسبقة، وربما تظهر أفكار جديدة، من يدري، فالأدب مجال واسع ويعتمد على تجربة الانسان والتي تمثل فيها المصادفة جانبا كبيرا من الحياة.
مقتطفات من «عن عاشق لا يموت»
الموت
«.. لكن هناك حقيقة أخرى عن الموت سأخبرك بها، تبدو كسر أحيانا لأن البعض لا يلاحظها، وهي أننا بالفعل نعشق الموت لكننا لا ندري.. نحب كل ما ينسينا من نكون، ما يجعلنا نسافر من هذا الواقع الذي نحن فيه إلى مكان آخر، ذلك أننا لم نخلق لهذه الأجساد ولا لهذه الدنيا ونحب كل ما يقربنا إلى الموت، السرعة، الطيران، الطب، الشجاعة، القتال.. إننا نعشق الموت لكننا لا ندري قل لي بالله عليك.. ما هو السبب الذي يجعلنا نعشق المغامرة سوى أنها تجعلنا خطوة واحدة أقرب إلى الموت؟».
في الحب
«.. كانت قهوتي تبرد، فتركت بقاياها وأنا لا أحب بقايا الأشياء خصوصا السائلة منها، فإذا كان السائل حارا تكون بقاياه باردة.. كما كل الأشياء تسحرك في بداياتها لكنها تخسر ذلك السحر قليلا قليلا حتى النهاية.. إن للبدايات سحرا، فلا تخدعنك البدايات».
في الإنسان
«.. أغمضت جفنيه وأسدلتهما إسدالهما الأخير، رباه أستغفرك من ذلك، فلا تعاقبني بأن يسدل جفني إلا من عشقت وأحببت.. هذا الإنسان أمامي الآن جثة هامدة، ما الذي كان ذلك الإنسان في سني حياته السبعين السابقة؟ لا أعلم، فكل ما مضى لا يهم، هو الآن لا شيء سوى جسد يخلو من كل معاني الحياة..».