- «وتلفت القلب» تجربة أدبية جديدة يتناول موضوعات وجدانية تنطلق من أسئلة وجودية جمعت بين اللغة الرصينة والحس الشعري الرفيع
محمود الموسوي
في أول تعاون بينهما صدر للشاعرة والكاتبة الكويتية سعدية مفرح كتابان جديدان عن دار كلمات للنشر والتوزيع، الأول بعنوان «وتلفت القلب»، والآخر بعنوان «أسطورة زرقاء بكحل أسود».
ويعد الكتاب الأول تجربة أدبية جديدة من نوعها بالنسبة للكاتبة التي سبق أن صدر لها 19 كتابا تنوعت موضوعاتها ما بين الشعر والنقد والسيرة الذاتية والأنثولوجيات وكتب الأطفال، وفي كتاب «وتلفت القلب» تتناول موضوعات وجدانية تنطلق من أسئلة وجودية توسلت فيها لغتها العالية وحسها الشعري الرفيع.
وفي مقدمة الكتاب تساءلت سعدية مفرح «من منا لم يفعل ذلك في يوم من الأيام؟ من منا لم يقدم على ذلك الاحتمال رغم حرصه الشديد على مجانبة المغامرات اللاهية؟ من منا لم يستسلم لتهوره في الإيمان السريع بشخص ما يقابله للمرة الأولى رغم حذره الشهير وقياساته الدقيقة؟ من منا لم تباغته لحظة ما بلذائذ الدنيا كلها في ابتسامة منسحبة على هامش حديث جاد جدا؟ من منا لم يضطر للرحيل أحيانا تاركا وراءه كل ذلك كذنب لا يغتفر وجريمة غير مكتملة؟ من منا لم يرحل وهو يلتفت للوراء رغما عنه، يتهيب المضي قدما ويخشى الرجوع؟ من منا لم يعد اكتشاف ذاته، في تلك المسافة الصغيرة الفاصلة ما بين المضى قدما والرجوع للوراء؟ من منا لم يبتسم وهو يجلس في مقعد الطائرة، مستعيدا ما اندس في فراغات الذاكرة وفجوات القلب من أحداث صغيرة، بلا اسم ولا عنوان، وأحيانا بلا معنى؟ حسنا.. أنا فعلتها! وأنصح من لم يفعلها بعد أن يفعلها.. ولا يخشى شيئا، فلتلك الشتلة رب يحميها وقلب يسقيها وهذا يكفي!».
وتكون الكتاب من ثلاثة اجزاء كبرى، جاء الأول بعنوان «نعم.. لقد حدث كل هذا»، أما الثاني فهو بعنوان «وتفرقت السبل»، في حين جاء الثالث بعنوان «أريد أن دفنها وحسب».
وقدمت الكاتبة كتابها بأبيات شعرية شهيرة للشاعر شريف الرضي، ومنها استمدت عنوان الكتاب الذي زينت غلافه بلوحة للفنان البحريني جمال عبد الرحيم وصدر بما يقرب من 170 صفحة من القطع المتوسط.
أما الكتاب الثاني «أسطورة زرقاء بكحل أسود» فهو مستمد من تراث النساء في منطقة الجزيرة العربية تحت ظلال حكاية زرقاء اليمامة، ولذلك أطلقت الشاعرة على كتابها اسم «أسطورة زرقاء بكحل أسود»، وشرحت الفكرة بانها «محاولة لاسترجاع أصواتهن البائدة في مفازات الروح».
وقدمت سعدية مفرح لكتابها الشعري القصصي بمقدمة قالت انها «من حكايات جدتي التي لا يحبها الرقيب»، وجاء فيها:
«في جدران طفولتي البائسة إلا قليلا، ثقوب أطل من خلالها الآن على حكايا الدهشة، فأفاجأ بوجه جدتي المبتسم إلا قليلا، أشم رائحة لوز وجوز وزبيب بلون العسل، تنفرج زوايا الذاكرة قليلا، فأغلق كفي على بيض حمام ملون بالأزرق الفاتح والوردي والأبيض المائل للصفرة، حلو ولذيذ، ولا يماثله في حلو اللذة سوى أغنيات العمة لقصائد الجدة الذاهلة عن كل شيء إلا عن صلاة لا تنتهي، وقصائد لا تنتهي أيضا، وانسحب من تلال الذاكرة المفعمة بالأسى وطعم الزبيب المتناثرة حباته على سجادة الصلاة ومستحلب الجوز في فم جائع، فتلاحقني أغنيات النساء اللواتي لا أعرفهن ولكنهن يباغتن ليلي بأسمائهن وأسماء عشاقهن!، ورحلت جدتي في بدايات مراهقتي، لكن شغفي بعوالمها المسحورة ظل دائما يراود سكوني أمام الورق الأبيض، ولاحقا أمام لوحة المفاتيح، فأنساق في خضم السحر لكي تكون الحكاية كلمة ونغما، حداء حزينا، ورحى تدور وتدور وتدور على محورها المغنى، وتقول جدتي إنهن كن يغنين وهن يطحن القمح، فتسير الأغنية في متواليات دائرية، وتكمل الحكاية حيث تبدأ، فتبدأ الدائرة رحلة دورانها من جديد، ويكون الليل بظلمته وظلمه ساترا وستارا، لحكايات النساء البدويات المبللة بالأشواق والحنين والحرمان، من دون أن تفقد جرأتها والتي لم اكتشفها إلا مؤخرا جدا، وأنا أتحاشى مقص الرقيب فيما أنشر، لا فيما أكتب».
وجاء«أسطورة زرقاء بكحل أسود» في 180 صفحة، وزين غلافه بصورة فوتوغرافية مستنسخة من مكتبة الكونغرس الأميركي لامرأة من الجزيرة العربية يعود تاريخها الى نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن العشرين، وقد أهدت سعدية مفرح كتابها الى «ذكرى راعية السهر وبذرة القصيدة.. راويتي الأولى وسحر طفولتي، جدتي رحمها الله».