كما بعثه الله تعالى نبيا ورسولا يبلغ الرسالة الخاتمة والدين المتمم لكل الأديان السماوية السابقة فقد بعثه كذلك رحمة ونورا وقدوة حسنة ليعلم الإنسان الأخلاق القويمة ونرى أمثلة متنوعة في ذلك في سيرته العطرة وكيف كان رفيقا رقيقا لين المعشر مع آل بيته، وودودا ورحيما مع أصحابه وخدمه، وكيف كان حازما في رأيه عادلا في حكمه.
الرسول الوفيّ
في موقفين يعبران عن أصدق ألوان الوفاء الانساني عندما رأى سعد بن عبادة رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبكي على مولاه زيد بن حارثة رضي الله عنه الذي استشهد في غزوة مؤتة حينما رأى ابنته أجهشت بالبكاء، وقالت له: يا رسول الله ما هذا؟ قال الرسول الوفي صلى الله عليه وسلم: هذا شوق الحبيب الى الحبيب والموقف الآخر حينما بكى الرسول صلى الله عليه وسلم بكاء شديدا حتى اخضلت لحيته ومسح بدموعه رؤوس أبناء جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه حينما علم باستشهاده في مؤتة، وقال لزوجته اسماء حينما شكت ضياعهم وفقرهم بعد فقد عائلهم: العيلة تخافين عليهم، وأنا وليهم في الدنيا والآخرة؟ أما موقفه من عتبة ومعتب فهو يعبر عن أصدق ألوان الوفاء نحو ابن عمه ابي لهب الذي كان اعدى اعداء النبي رضي الله عنه وهو الذي خذله في كل موقف ولم يرع حرمة القرابة وأمر ابنيه عتبة ومعتب أن يطلقا ابنتي الرسول رقية وأم كلثوم.
سماحة نبي الرحمة
لما نزلت آية (خذ العفو وأمر بالمعروف وأعرض عن الجاهلين) سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام عن تأويلها فقال له جبريل أسأل العالم فذهب يسأل الله عز وجل ثم عاد للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا محمد إن الله يأمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك» وقال ايضا: «اصبر على ما أصابك».
وقال له عز وجل: (فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل) وقال: (وليعفوا وليصفحوا) وقال تعالى: (ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور) ومما يبرهن على سماحة الإسلام أن النبي كما كسرت رباعيته وشجّ وجهه يوم أحد شق ذلك على أصحابه وقالوا لو دعوت عليهم يا رسول الله، فقال: إني لم أبعث لعانا ولكني بعثت داعيا ورحمة، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون.
وروي عن عمر رضي الله عنه انه قال في بعض كلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم: بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد دعا نوح على قومه فقال (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا) ولو دعوت علينا مثلها لهلكنا عن آخرنا، فلقد وطئ ظهرك وأدمي وجهك وكسرت رباعيتك فأبيت أن تقول إلا خيرا، فقلت: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون».
شيمة العفو
ولا ننسى واقعة العفو عن أهل مكة الذين كانوا قد آذوا الرسول أشد الإيذاء ثم نجده يقول لهم يوم فتح مكة: ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرا أخ كريم وابن أخ كريم، قال: أقول لكم مقولة أخي يوسف (لا تثريب عليكم اليوم اذهبوا فأنتم الطلقاء) كما ان هناك واقعة اخرى عن عفوه العظيم يوم عفا النبي صلى الله عليه وسلم عن اليهودية التي سممت له شاة بعد اعترافها، بل انه صلى الله عليه وسلم لم يؤاخذ عبدالله بن أبي وأمثاله من المنافقين رغم ما قالوه وأشاعوه عنه صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا بل قال لمن أشار بقتل بعض هؤلاء «لئلا يتحدث الناس ويقولون أن محمدا يقتل أصحابه» وحين جاءه صلى الله عليه وسلم زيد بن سعنة قبل إسلامه يطلب دينا له على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجذبه زيد من منكبه وأخذ بثيابه وأغلظ له القول ثم قال انكم يا بني عبدالمطلب مطل، فانتهره عمر وشدد له في القول والنبي صلى الله عليه وسلم صامت فقال النبي لعمر انا وهو كنا أحوج الى غير هذا منك يا عمر تأمرني بحسن الأداء وتأمره بحسن الطلب فكانت هذه الكلمات سببا في اسلام زيد وكثير من المواقف في حياة النبي صلى الله عليه وسلم جاءتنا بمكارم الاخلاق فعلينا دفع الأذى عنه والدفاع عن مقامه العظيم واتخاذه صلى الله عليه وسلم قدوة.