Note: English translation is not 100% accurate
شخصيات في الذاكرة
عمر بن عبدالعزيز حجة على العباد والحكام والولاة
15 يونيو 2012
المصدر : الأنباء
سئل الحاكم.. الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه: «ما كان بدء إنابتك؟ فقال: أردت ضرب غلام لي فقال: اذكر ليلة صبيحتها يوم القيامة».
لا يقبل موعظة ضعيف إلا طاهر النفس، خالص السريرة من الكبر والعجب بالنفس، وعمر بن عبدالعزيز كان من أشراف الناس وأمرائهم، فهو من بيت الخلافة، فعمه عبد الملك بن مروان، غير أن بذور السماحة ملأت نفسه، كلما ارتفع منزلة، علا تواضعا ولينا.
كان خيرا وبرا قبل الإمارة وبعدها، قال أنس بن مالك: «ما صليت وراء إمام أشبه بصلاة رسول الله من هذا الفتى».
كتب الله أن يكون خليفة الأمة، جاءته وهو لها كاره، فخلع نفسه، فتنادى الناس به، فثبت عليها، واستعان بالله على ما يراه مصيبة وقعت عليه.
أجمع العلماء على أنه من أئمة العدل، وأحد الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، وقد ذكر جماعة من الأئمة أنه إمام مجدد، ينطبق عليه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يبعث لهذه الأمة، على رأس كل مائة سنة، من يجدد لها أمر دينها).
هذا الإمام الزاهد، أحيا من السنن ما اندرس، وأعاد المظالم، ولم يحاب أحدا حتى ذوي القربى.
فبدأ بأهله وعياله، فخير زوجته بين: أن تقيم معه، على أنه لا فراغ له إليها، وبين أن تلحق بأهلها.
فاختارت المقام معه. وكذا فعل مع جواريه، فأعتق من أعتق منهن، وانصرف عن البواقي، شغلا بما هو فيه من أمور الخلافة.
وليس هذا بواجب، لكنه ألزم نفسه، حتى يفرغ تماما لمصالح الرعية.
تقول زوجته: «دخلت عليه يوما، وهو جالس في مصلاه، واضعا خده على يده، ودموعه تسيل على خديه، فقلت: مالك؟ فقال: «ويحك يا فاطمة! قد وليت من أمر هذه الأمة ما وليت فتفكرت في: الفقير الجائع، والمريض الجائع، والعاري المجهود، واليتيم المكسور، والأرملة الوحيدة، والمظلوم المقهور، والغريب، والأسير، والشيخ الكبير، وذي العيال الكثير والمال القليل، وأشباههم في أقطار الأرض وأطراف البلاد. فعلمت أن ربي عز وجل سيسألني عنهم يوم القيامة، وأن خصمي دونهم محمد صلى الله عليه وسلم، فخشيت ألا يثبت لي حجة عند خصومته، فرحمت نفسي، فبكيت».
قسم ثروات الأمة بالعدل، لم يخص أحدا لمجرد نسبه أو صلته، ولم يعط لرضا أو هوى، فانصرف الشعراء والمنتفعون عن بابه، ومن كان له حق في بيت المال، فما كان من حاجة له أن يأتي باب عمر، فحقوقهم تصل إليهم وهم في بيوتهم في بلادهم.
«لقد أغنى الناس عمر».. قالها الساعي على صدقته، وهو يجوب افريقيا يبحث عن فقير.
أعطاهم نصيبهم الذي يغنيهم عن السؤال، وأعطى المنقطعين لتعلم القرآن والفقه، وكتب إلى عماله أن يستعملوا أهل القرآن، وأن يجتنبوا الأشغال عند حضور الصلاة، وأمرهم ألا يحبسوا الناس بالظنة قبل ثبوت البينة، وقال: «خذهم بالبينة وما جرت عليه السنة، فإن لم يصلحهم الحق فلا أصلحهم الله».
كتب إلى بعضهم: «أذكرك طول سهر أهل النار في النار، مع خلود الأبد، وإياك أن ينصرف بك من عند الله، فيكون آخر العهد بك، وانقطاع الرجاء منك».
فخلع العامل نفسه وطوى البلاد وقدم على عمر، فقال له: «مالك؟ فقال: خلعت قلبي بكتابك يا أمير المؤمنين، والله لا أعود إلى ولاية أبدا».
إذا خلي في بيته، غلّ نفسه، ولبس المسوح، وقام يصلي يناجي ربه كالعبد الآبق ويقول: «اللهم إن عمر ليس بأهل أن تناله رحمتك، ولكن رحمتك أهل أن تنال عمر».
يكثر أن يقول: «اللهم سلم سلم».
تقول زوجه: «ما رأيت أحدا أكثر صلاة وصياما منه، ولا أحدا أشد فرقا من ربه منه، كان يصلي العشاء، ثم يجلس يبكي حتى تغلبه عيناه، ثم ينتبه فلايزال يبكي حتى تغلبه عيناه.
قالت: ولقد كان يكون معي في الفراش، فيذكر الشيء من أمر الآخرة، فينتفض كما ينتفض العصفور في الماء، ويجلس يبكي، فاطرح عليه اللحاف رحمة له، وأنا أقول: يا ليت كان بيننا وبين الخلافة بعد المشرقين! فوالله ما رأينا سرورا منذ دخلنا فيها».
وبكى مرة فبكى لبكائه أهل الدار، فلما سري عنه سألوه فقال: «ذكرت منصرف الناس يوم القيامة، فريق في الجنة وفريق في السعير».
كتب مرة إلى أحد إخوانه وكان في طريقه إلى الجهاد: «إن أحق العباد بإجلال الله والخشية منه، من ابتلاه الله بمثل ما ابتلاني به، ولا أحد أشد حسابا ولا أهون على الله إن عصاه مني، فقد ضاق بما أنا فيه ذرعي، وخفت أن تكون منزلتي التي أنا بها ـ الرياسة والحكم ـ هلاكا لي، إلا أن يتداركني الله منه برحمة، وقد بلغني أنك تريد الخروج في سبيل الله، فأحب يا أخي إذا أخذت موقفك أن تدعو الله أن يرزقني الشهادة، فإن حالي شديدة وخطري عظيم، فأسأل الله الذي ابتلاني به، أن يرحمني ويعفو عني».
نشأ ناعم العيش، يؤتى بالقميص الرفيع اللين جدا فيقول: «ما أحسنه، لولا خشونة فيه!». فلما ولي الخلافة صار يلبس الغليظ المرقوع ويقول: «ما أحسنه لولا لينه!».
قال مالك بن دينار: «يقولون مالك زاهد، أي زهد عندي؟، إنما الزاهد عمر بن عبدالعزيز أتته الدنيا فاغرة فاها، فتركها جملة».
قال له رجل: جزاك الله عن الإسلام خيرا، فقال: «بل جزى الله الإسلام عني خيرا».
وقيل له: «لو أتيت المدينة، فإن قضى الله موتا، دفنت في موضع القبر الرابع مع رسول الله، فقال: «والله لأن يعذبني الله بغير النار، أحب إلي من أن يعلم من قلبي أني لذلك أهل».
كان ـ رحمه الله تعالى ـ معدودا في العلماء، وله آراء مذكورة في كتب الفقه والتفسير والحديث، فمن فتاواه أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم يقتل، وهذا القول نصره ابن تيمية، وألف كتابا في ذلك عنوانه: «الصارم المسلول على شاتم الرسول».
منع أهل الذمة من إدخال الخمور، ونهى عن النياحة والغناء، وأمر بالتنكيل بمن خالف ذلك. في عهده انتشر العدل، ونعم الناس بالأمن، حتى البهائم نعمت به.