Note: English translation is not 100% accurate
مع الصحابة
خباب بن الأرت دعا الرسول صلى الله عليه وسلم على معذبته فأصابها السعار
6 يوليو 2012
المصدر : الأنباء
خباب بن الأرت صحابي جليل، تحمّل في سبيل عقيدته بما هو فوق طاقة البشر، وقراءة مسيرة حياته وإسلامه ومواقفه، تعطي الإنسان صورة على الإنسان أن يعيش للمبدأ، ولا يقايض بمبادئه ملء الأرض ذهبا.
فما أكثر ما عذب عندما أعلن إسلامه، فقد حوّله الاسلام إلى إنسان آخر.. إنسان أصبح لحياته هدف وغاية، وأصبح للحياة نفسها هدف وغاية، على أساس أنها معبر لعالم خالد لا يعرف الفناء.
وخباب عربي من بني سعيد، من تميم، اختطف من أهله عندما كان غلاما وبيع كرقيق في أسواق مكة، واشترته امرأة اسمها (أم أنمار) وهي امرأة من خزاعة كانت تشتغل خاتنة في مكة.
وكبر خباب، وشب على الطوق، وأصبح ماهرا في صناعة السيوف والدروع.. واشتهر بمهارته تلك في مكة، فكان الناس يقبلون عليه لشراء سيوفهم ودروعهم.
وفجأة تغيرت حياته تماما، فقد سمع بالدعوة الإسلامية، وما ينادي به محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم، وسرعان ما اقتنع بهذه الدعوة، وذهب إلى الرسول وأعلن إسلامه. ثم سرعان ما عرف الناس بهذا الخبر، وعندما سألوه عن ذلك لم ينكر، ولكنه لم يفق إلا بعد وقت طويل، فقد أخذوا في ضربه في كل مكان يقع عليه سياط الظالمين.
أما «أم أنمار» سيدته، فقد أذاقته ألوانا من العذاب لا يخطر على بال، فقد كانت تربطه في عمود من أعمدة البيت، وتشعل النار في الكور، وتضع فيه الحديد، حتى يصبح كالجمر، وتكوي به جسد خباب وهي تقول له: ستظل هكذا حتى تعود إلى ملتنا، وتظل تعذبه بقطع الحديد الساخن كلما أفاق.
ذهب خباب إلى رسول الله يشكو له ما يلاقي من عذاب، وقال للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله.. ألا تدعو الله لنا فيخفف عنا عذابنا ويريحنا من موالينا؟ فطلب منه الرسول صلى الله عليه وسلم الصبر، وقال له: «إنه كان من قبلكم ليمشط أحدهم بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب ويوضع المنشار على فرق رأس أحدهم فيشق ما يصرفه عن ذلك عن دينه، وليظهرن الله تعالى هذا الدين، حتى يسير الراكب من صنعاء اليمن إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه».
فما كان من خباب بعدما سمعه من الرسول صلى الله عليه وسلم إلا أنه أخذ يلوذ بالصبر الجميل، متحملا كل هذا العذاب من امرأة انتزع الله من قلبها أي رحمة.
دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم
ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم به ذات يوم وهو يُعذّب، فرفع كفيه إلى السماء وقال: «اللهم انصر خبابا»، واستجاب الله لدعاء رسوله صلى الله عليه وسلم، فقد أصيبت أم أنمار بسعار غريب فجعلها تعوي مثل الكلاب ونصحها البعض بأن علاجها هو أن تكوي رأسها بالنار وهكذا ذاقت من نفس الكأس التي أذاقته لخباب بن الأرت.
وتفرغ خباب للعبادة وحفظ القرآن الكريم حتى قال عنه عبدالله بن مسعود: من أراد أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل، فليقرأه بقراءة ابن أم عبد.
معلم القرآن
وكان خباب هذا هو الذي يعلم فاطمة بنت الخطاب، وزوجها سعيد بن زيد القرآن الكريم، والذي فاجأهم ذات يوم عمر بن الخطاب، وقد كان ممسكا سيفه يريد به الاعتداء على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه عندما قرأ آيات القرآن الكريم، لان قلبه، وطلب من أخته أن تدله على محمد صلى الله عليه وسلم، يومها كان خباب مختبئا، فما كاد يسمع عمر، حتى خرج من مخبأه ليبشره بقوله: يا عمر.. والله إني لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه صلى الله عليه وسلم، فإني سمعته بالأمس يقول: «اللهم أيد الإسلام بأحب الرجلين إليك.. أبي الحكم بن هشام وعمر بن الخطاب».
وعرف عمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم في بيت الأرقم بن أبي الأرقم فذهب وأعلن إسلامه، وكان إسلامه له أثره العظيم في تقويه الدعوة.
وقد شهد خباب جميع المواقف والغزوات مع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وعندما انتقل الى جوار ربه وكان له دخل كبير من بيت المال لسابقته في الإسلام، قرر أن يشتري بيتا متواضعا في الكوفة وكان يعطي من هذا المال المحتاجين.
ويقول الرواة إنه بكى حين حضرته الوفاة، وعندما سأله أصدقاؤه عما يبكيه، وهو سيلاقي الأحبة الذين سبقوه الى الدار الآخرة.. قال لهم: أما انه ليس بي جزع، ولكنكم ذكرتموني أقواما، وإخوانا مضوا بأجورهم كلها لم ينالوا من الدنيا شيئا. وإنما بقينا بعدهم حتى نلنا من الدنيا ما لم نجد له موضعا إلا التراب.
وكان قد أعد كفنه، وقال للذين جاءوا لعيادته: انظروا هذا كفني.. لكن حمزة عم الرسول صلى الله عليه وسلم لم يوجد له كفن يوم استشهد إلا بردة ملحاء.. إذا جعلت على رأسه قلصت عن قدميه، وإذا جعلت على قدمه قلصت عن رأسه.
ويرسم خالد محمد خالد هذه اللوحة لنهاية هذا البطل الذي عاش لله وبالله، لم يرهبه عذاب ولا تعذيب، ولكنه كان قرير العين، راضيا بما تجري به الأقدار مؤمنا بفوزه بنعم الآخرة، لرضاء الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
يقول خالد محمد خالد في كتابه «رجال حول الرسول» ومات خباب في السنة السابعة والثلاثين للهجرة.
مات أستاذ صناعة السيوف في الجاهلية.. وأستاذ صناعة التضحية والفداء في الإسلام، مات الرجل الذي كان أحد الجماعة الذين نزل القرآن يدافع عنهم، ويحييهم عندما طلب بعض السادة من قريش أن يجعل لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما، وللفقراء يوما.. من أمثال (خباب) و(صهيب) و(بلال) يوما آخر.
فإذا القرآن العظيم يحتضن رجال الله هؤلاء في تمجيد لهم وتكريم، وتهل آياته قائلة للرسول الكريم: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين).
(وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا، أليس الله بأعلم بالشاكرين).
(وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم، كتب ربكم على نفسه الرحمة).
وهكذا لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآيات، حتى يبالغ في إكرامهم، فيفرش لهم رداءه، ويربت على أكتافهم ويقول لهم: أهلا بمن أوصاني بهم ربي.
أجل مات واحد من الأبناء البررة لأيام الوحي، وجيل التضحية. ولعل خير ما نودعه به كلمات الإمام علي كرم الله وجهه حين كان عائدا من معركة صفين، فوقعت عيناه على قبر غض رطب فسأل: قبر من هذا؟ فأجابوه: إنه قبر خباب، فتملأه خاشعا آسيا وقال: رحم الله خبابا لقد أسلم راغبا، وهاجر طائعا، وعاش مجاهدا.
هذه صورة لمجاهد عظيم، ومكافح عظيم، لم يترك الدنيا إلا بعد أن ترك سيرة عطرة تتداولها الأجيال في كل العصور.