Note: English translation is not 100% accurate
الرجال مواقف
حذيفة بن اليمان.. عدو النفاق وصديق الوضوح
27 يوليو 2013
المصدر : الأنباء
خرج أهل المدائن أفواجا يستقبلون واليهم الجديد الذي اختاره لهم أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، خرجوا تسبقهم أشواقهم إلى هذا الصحابي الجليل الذي سمعوا الكثير عن ورعه وتقاه، وسمعوا أكثر عن بلائه العظيم في فتوحات العراق، وإذ هم ينتظرون الموكب الوافد، أبصروا أمامهم رجلا مضيئا، يركب حمارا على ظهره إكاف قديم، وقد أسدل الرجل ساقيه، وأمسك بكلتا يديه رغيفا وملحا، وهو يأكل ويمضغ طعامه، وحين توسط جمعهم، وعرفوا أنه حذيفة بن اليمان الوالي الذي ينتظرون، كاد صوابهم يطير، ولكن فيم العجب؟ وماذا كانوا يتوقعون أن يجيء في اختيار عمر؟ الحق أنهم معذورون، فما عهدت بلادهم أيام فارس، ولا قبل فارس ولاة من هذا الطراز الجليل.
وسار حذيفة، والناس محتشدون حوله، وحافون به، وحين رآهم يحدقون فيه كأنهم ينتظرون منه حديثا، ألقى على وجوههم نظرة فاحصة ثم قال: «إياكم ومواقف الفتن»، قالوا: وما مواقف الفتن يا أبا عبدالله؟ قال: «أبواب الأمراء، يدخل أحدكم على الوالي أو الأمير، فيصدقه بالكذب، ويمتدحه بما ليس فيه»، وكان استهلالا بارعا، بقدر ما هو عجيب، واستعاد الناس على فورهم ما سمعوه عن واليهم الجديد، من أنه لا يمقت في الدنيا كلها ولا يحتقر من نقائصها شيئا أكثر مما يمقت النفاق ويحتقره، وكان هذا الاستهلال أصدق تعبير عن شخصية الحاكم الجديد، وعن منهجه في الحكم والولاية.
ومنذ جاء هو وأخوه صفوان في صحبة أبيهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتنق ثلاثتهم الإسلام، والإسلام يزيد موهبته هذه مضاء وصقلا، فلقد عانق دينا قويا، نظيفا، شجاعا قويما، يحتقر الجبن والنفاق، والكذب، وتأدب على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم واضحى كفلق الصبح، لا تخفى عليهم من حياته، ولا من أعماق نفسه خافية، صادق وأمين، يحب الأقوياء في الحق، ويمقت الملتوين والمرائين والمخادعين، فلم يكن ثمة مجال ترعرع فيه موهبة حذيفة وتزدهر مثل هذا المجال، في رحاب هذا الدين، وبين يدي هذا الرسول، ووسط هذا الرعيل العظيم من الأصحاب، ولقد نمت موهبته فعلا أعظم نماء، وتخصص في قراءة الوجوه والسرائر، يقرأ الوجوه في نظرة، ويبلو كنه الأعماق المستترة، والدخائل المخبوءة في غير عناء، ولقد بلغ من ذلك ما يريد، حتى كان أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، وهو الملهم الفطن الأريب، يستدل برأي حذيفة، وببصيرته في اختيار الرجال ومعرفتهم.
ولقد أفاء عليه هذا بصرا بالدنيا، وخبرة بالناس، ومعرفة بالزمن، وكان يدير المسائل في فكره وعقله بأسلوب فيلسوف، وحصانة حكيم، ويقول رضي الله عنه: إن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم، فدعا الناس من الضلالة إلى الهدى، ومن الكفر إلى الإيمان، فاستجاب له من استجاب، فحيا بالحق من كان ميتا ومات بالباطل من كان حيا، ثم ذهبت النبوة وجاءت الخلافة على مناهجها، ثم يكون ملكا عضوضا، فمن الناس من ينكر بقلبه ويده ولسانه، أولئك استجابوا للحق، ومنهم من ينكر بقلبه ولسانه، كافا يده، فهذا ترك شعبة من الحق، ومنهم من ينكر بقلبه، كافا يده ولسانه، فهذا ترك شعبتين من الحق، ومنهم من لا ينكر بقلبه ولا بيده ولا بلسانه، فذلك ميت الأحياء».
وخبرة حذيفة بالشر، وإصراره على مقاومته وتحديه، أكسبا لسانه وكلماته شيئا من الحدة، وينبئ هو بهذا في شجاعة نبيلة: فيقول: جئت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، إن لي لسانا ذربا على أهلي، وأخشى أن يدخلني النار، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «فأين أنت من الاستغفار؟ إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة».
هذا هو حذيفة عدو النفاق، صديق الوضوح، لقد رأى أباه المسلم يصرع يوم أحد، وبأيد مسلمة، قتلته خطأ وهي تحسبه واحدا من المشركين، وكان حذيفة يتلفت مصادفة، فرأى السيوف تنوشه، فصاح في ضاربيه: «أبي.. أبي.. انه أبي»، لكن القضاء كان قد نفذ، وحين عرف المسلمون، تولاهم الحزن والوجوم، لكنه نظر إليهم، وقال: «يغفر الله لكم، وهو أرحم الراحمين»، ثم انطلق بسيفه صوب المعركة المشبوبة يبلي فيها بلاءه، ويؤدي واجبه.
ويبلغ الخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأمر بالدية عن والد حذيفة حسيل بن جابر رضي الله عنه، ويتصدق بها على المسلمين، في غزوة الخندق وبعد أن دب الفشل في صفوف كفار قريش وحلفائهم من اليهود، أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقف على آخر تطورات الموقف هناك في معسكر أعدائه.
كان الليل مظلما ورهيبا، وكانت العواصف تزأر وتصطخب، كأنما تريد أن تقتلع جبال الصحراء الراسيات من مكانها، وكان الموقف كله بما فيه من حصار وعناد وإصرار يبعث على الخوف والجزع، وكان الجوع المضني قد بلغ مبلغا وعرا بين أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، فمن يملك آنئذ القوة، وأي قوة ليذهب وسط مخاطر حالكة إلى معسكر الأعداء ويقتحمه، أو يتسلل داخله ثم يبلو أمرهم ويعرف أخبارهم؟ ان الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي سيختار من أصحابه من يقوم بهذه المهمة البالغة العسر، ترى من يكون البطل؟ انه هو، حذيفة بن اليمان، دعاه الرسول صلى الله عليه وسلم فلبى، ومن صدقه العظيم يخبرنا وهو يروي النبأ أنه لم يكن يملك إلا أن يلبي، مشيرا بهذا إلى أنه كان يرهب المهمة الموكولة إليه، ويخشى عواقبها، والقيام بها تحت وطأة الجوع، والصقيع، والإعياء الشديد الذي خلفهم فيه حصار المشركين شهرا أو يزيد، وكان أمر حذيفة تلك الليلة عجيبا، فقد قطع المسافة بين المعسكرين، واخترق الحصار، وتسلل إلى معسكر قريش، وكانت الريح العاتية قد أطفأت نيران المعسكر، فخيم عليه الظلام، واتخذ حذيفة رضي الله عنه مكانه وسط صفوف المحاربين، وخشي أبوسفيان قائد قريش، أن يفاجئهم الظلام بمتسللين من المسلمين، فقام يحذر جيشه، وسمعه حذيفة يقول بصوته المرتفع: يا معشر قريش، لينظر كل منكم جليسه، وليأخذ بيده، وليعرف اسمه.
يقول حذيفة فسارعت إلى يد الرجل الذي بجواري، وقلت له من أنت؟ قال: فلان بن فلان؟، وهكذا أمن وجوده بين الجيش في سلام، واستأنف أبو سفيان نداءه إلى الجيش قائلا: يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلكت الكراع ـ أي الخيل ـ والخف أي الإبل ـ وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدة الريح، ما تطمئن لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإني مرتحل.
ثم نهض فوق جمله، وبدأ المسير فتبعه المحاربون.
يقول حذيفة: لولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلي ألا تحدث شيئا حتى تأتيني، لقتلته بسهم.
وعاد حذيفة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر، وزف البشرى إليه.