Note: English translation is not 100% accurate
معارف ولطائف.. بقلم: خالد الخراز
12 يوليو 2015
المصدر : الأنباء
بقلم: خالد الخرازالبكاء
قال تعالى: (وأنه هو أضحك وأبكى) (النجم:43)، أي: خلق الله في عباده الضحك، والبكاء وسببهما وهما مختلفان، فالبكاء فطرة بشرية، وغريزة لا يملك الإنسان دفعه بحسب أسبابه، وحكمه مباح إذا عدم مخالفته للشرع من السخط على قضاء الله، أو ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأصدق البكاء إذا كان من خشية الله، قال سبحانه: (قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا. ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا. ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا) (الإسراء: 107- 109)، أي: يقعون على الوجوه يبكون، والبكاء مستحب عند قراءة القرآن (ويزيدهم) نزول القرآن (خشوعا) خضوعا لربهم، وإيمانا وتصديقا بكتابه ورسوله، ويزيدهم الله خشوعا، أي: إيمانا وتسليما، ونظيره قوله تعالى: (إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا) (مريم: 58).
عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة ربه، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه.
وعن أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس شيء أحب إلى الله من قطرتين وأثرين، قطرة من دموع في خشية الله، وقطرة دم تهراق في سبيل الله، وأما الأثران: فأثر في سبيل الله، وأثر في فريضة من فرائض الله «رواه الترمذي (1669)، وحسنه الألباني.
عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله. رواه الترمذي (1639).
وورد الأمر بالبكاء تهديدا للمخالفين للرسول صلى الله عليه وسلم في تخالفهم عنه كما قال تعالى: (فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون) التوبة (82)، هذا تهديد وإن خرج مخرج الأمر، وذلك بسبب تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ونفاقهم.
والبكاء هو أن تفيض الدموع من أثر الخوف من الله أو للتعبير عن حزن بسبب موقف إنساني مؤلم.
والبكاء أنواع، فمنه بكاء الرحمة والحزن لفقدان عزيز، ومنه بكاء الفرح، ومنه بكاء الفزع، ومنه بكاء الخوف من حوادث الدنيا وتغيراتها وتقلباتها. وهو يولد المرض والاكتئاب.
ومنه بكاء الكذب والتصنع، وقد ذكر القرآن الكريم قصة إخوة يوسف عليه السلام كما في قوله تعالى: (وجاءوا أباهم عشاء يبكون ) (يوسف:16).
ومنه بكاء الاعتراض وهو المصحوب بحركات وأصوات تدل على الاعتراض على قدر الله. وهذا مذموم ومحرم. ومن المفروض أن يكون البكاء خشية من الله تعالى، وخوفا منه، وطمعا في رحمته، فهذا هو البكاء المحمود، أو أن يكون البكاء من سماع القرآن وما فيه بعد تدبره وتأمله، أو أن يكون لمعنى إنساني نبيل كما فعل سيد البشر صلى الله عليه وسلم حين مات ابنه إبراهيم، وهذا كله من البكاء المحمود المشروع.
أما بكاء التصنع وما فيه، سواء كان ذلك لإثبات صدق قول أو دعوى أو ما إلى ذلك كما فعل إخوة يوسف، فهذا من البكاء المذموم، لأنه لا يكاد يدل على صدق الإنسان في فعله، ومن البديهي أن يعرف الباكي من المتباكي وصدق من قال:
إذا اشتبكت دموع في خدود
تبين من بكى ممن تباكى
كما أن البكاء والأسف يكونان على مقدار التفريط في ارتكاب الذنوب، أو خلط عملا صالحا وآخر سيئا، وهو داخل تحت المشيئة وعنده من الندامة كأمثال الجبال ومن الحسرات كعدد الرمال، فإن الصحة لا يعرف مقدارها على الحقيقة إلا المرضى، والبراءة لا يعرف مقدارها إلا المذنبون، وكذلك الحياة لا يعرف مقدارها إلا الموتى، لأنهم قد ظهرت لهم الأمور وانكشفت لهم الحقائق، وعلموا مقدار الأعمال الصالحة إذ ليس ينفع هنالك إلا عمل زكي، ولا يرتفع هناك إلا عبد تقي، فالمقصر يود لو أنه رد فاستدرك ما فات ونظر فيما فيه فرط، والمهمل العمل بالجملة يكون تمنيه الرجوع أكثر وحرصه على العودة أشد، فالواجب اغتنام الصحة والفراغ المغبون فيهما كثير الناس وإنما يحصل للشخص الحزن، والبكاء على ما أصيب به لذهوله عما بين يديه من سكرات الموت وغصصه والانفراد في القبر وحيدا ذليلا مستوحشا، ثم مسائلة الملكين منكر ونكير، وطول مكثه تحت الثرى إما منعما وإما معذبا، ثم من بعد ذلك خروجه من قبره وقيامه لرب العالمين، ثم وقوفه الطويل في المحشر وما يرى من أهوال يوم القيامة، ثم حسابه بين يدي الله تعالى ووزن أعماله وتطاير الصحف والمحاسبة، وأنه وجد ما عمل محصيا في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، وأنه بين رجاء وخوف إما لذات اليمين أو لذات الشمال.
لم لا يبكي الإنسان على نفسه المرهونة بالنار، والموت أمامه، والقبر منزله، والقيامة موقفه، والخصماء أقوياء، والقاضي هو الله العظيم؟