الشيخ خالد الخراز
قال ابن الجوزي رحمه الله في «صيد الخاطر» (44): «جواذب الطبع إلى الدنيا كثيرة، ثم هي من داخل، وذكر الآخرة أمر خارج عن الطبع، من خارج، وربما ظن من لا علم له أن جواذب الآخرة أقوى، لما يسمع من الوعيد في القرآن، وليس كذلك، لأن مثل الطبع في ميله إلى الدنيا، كالماء الجاري فإنه يطلب الهبوط، وإنما رفعه إلى فوق يحتاج إلى التكلف».
إن ما قاله ابن الجوزي صحيح، فالميل إلى الدنيا والرغبة فيها طبع متأصل في الإنسان، وعليه فإنه إذا لم يجد من التربية الإلهية والتوجيه النبوي ما يقوم به طبعه، ويخفف من حدته، ويقلل من تأثيره على سلوكه، أودى به طبعه وأهلكه، والعياذ بالله تعالى، والتربية الإلهية المشار إليها آنفا لا تكون إلا بما يلي:
1 - الاتباع الكامل لمنهج الشريعة الإسلامية التي ختمت بها الشرائع السماوية والتي جاءت شاملة للشرائع السابقة، وقد جاءت للناس كافة وهي كفيلة بتهذيب النفس وإعانة صاحبها عليها للتغلب على ما استقر فيها من طباع تجنح بها إلى التعلق بالدنيا.
قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين.. البقرة: 208).
2 - التغلب على الهوى والاعتدال بطلب الدنيا وبذلك ينجو العبد من مزالقها.
قال تعالى: (يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب.. ص:6).
ولذلك نجد الدعاة إلى الله يقومون بتهذيب الناس بالنصائح من الانغماس في الدنيا، والترهيب من التنافس عليها، وما ذاك إلا لأنهم علموا أنه لا يجتمع في قلب المسلم الحرص على الدنيا، وحب الله عز وجل والاجتهاد في طاعته وفي طلب رضاه وجنته.
ومن المعروف أن الدنيا أردت كثيرا من أهل الحذر والفطنة فضلا عن الغافلين، فراحوا يقولون: إياكم والدنيا فاحذروها فإنها منزل الهلاك، وهي دار اللهو واللعب.
ومن هداهم الله للخير يجعلون الدنيا آخر همهم، ويتغلبون على أهوائهم وطباعهم المتعلقة بها.
قال تعالى: (وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون.. الأنعام:32).