يقول سبحانه وتعالى: (إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم)، مازال الله عز وجل يحاجج هؤلاء الكافرين والمشركين بالحجاج العقلي بعد ان بين سبحانه وتعالى آيات ملكوته وقدرته وسعة عظمته سبحانه وتعالى في هذا الكون إذا به هناك من الناس من يشركون، هؤلاء لا يجيبونكم بشيء، (ولو سمعوا ما استجابوا لكم)، وعلى فرض أن الله أوجد فيهم القدرة على السماع فإنهم لن يستجيبوا لكم لأنهم ليس بيدهم شيء، (ويوم القيامة يكفرون بشرككم)، هناك يوم القيامة يوم الفصل، الله عز وجل أسماه هناك يوم التغابن يوم يشتكي الكل من الآخر، هناك يوم الجزاء والحساب، يقول هؤلاء الكفار لآلهتهم التي عبدوها لقد كنا نعبدكم، قالوا لا، ما كنتم تعبدوننا، يقولون كنتم تتبعون الشياطين وتعبدون الجن، تبرأ الملائكة منهم، ويبرأ الأنبياء منهم، ويبرأ كل من أشركوا معه منهم، يقول سبحانه وتعالى: (ولا ينبئك مثل خبير)، هو وحده سبحانه وتعالى الخبير بهذا الخلق بالعالم وما فيه سبحانه وتعالى، فلا يصدقك القول إلا من له كمال العلم، قال سبحانه وتعالى: (ومن أصدق من الله قيلا)، لا أحد أصدق من الله قيلا، سبحانه وتعالى، فإذا أخبرنا الله آمنا بما أخبرنا به الله عز وجل، إن المؤمن إذا تعاهد كتاب الله عز وجل تلقى كل ما فيه بالقبول والتسليم والإذعان لأنه يعلم ان هذا الأمر لا يأتيه إلا من عليم حكيم خبير.
النداء الثالث
يقول سبحانه وتعالى: (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله)، هذا النداء الثالث في هذه السورة المباركة، بعد أن حذرنا الله عز وجل قبلها بقوله سبحانه وتعالى: (يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنَّكم الحياة الدنيا ولا يغرنَّكم بالله الغَرور)، لا تغتر ايها المؤمن بهذه الدنيا وما فيها، لا تبهرك هذه الزينة التي زينت للناس فيها، إن طموحك أيها المؤمن أكبر ومقدارك عند الله أعلى، وما ينتظرك عند الله خير وأبقى، ومن استغنى بالله وصله، ومن استغنى عن الله قطعه وأذله، الكل مفتقر الى الله عز وجل، مفتقر الى رحمته مفتقر الى لطفه، مفتقر الى عنايته وعطائه، بل ان تحقيق العبودية لا يكون إلا بتحقيق الافتقار الى الله في هذا القلب، فيقف المؤمن متذللا خاليا بين يدي ربه عز وجل، فبافتقاره الى الله يغنيه الله عز وجل، بتذلله بين يدي الله عز وجل يعزه الله عز وجل، الله عز وجل يقول: (أنتم الفقراء) ليس بذلك منقصة للإنسان ولكن هي حقيقة يخبرنا الله عز وجل بها، نحن فقراء الى فضله والله عز وجل من واسع فضله وعظيم رحمته ما قطع فضله ولا نواله عن خلقه، ما تزال يده ممدودة بالعطاء، ممدودة بالمغفرة، يعطي الكافر والمؤمن، إن أبانا إبراهيم قد طلب عندما دعا الله عز وجل، وارزق أهله، قال إبراهيم: من آمن منهم، فإن إبراهيم عليه السلام قصر طلبه على ان يرزق الله في مكة المؤمنين، ولكن رحمة الله أعم، قال ومن كفر، رحمة الله واسعة، إنه رحمن بالعالمين رحيم بالمؤمنين، أما عناية الله بأهل الإيمان فإنها عناية خاصة، عناية محبة فإنه ودود، عناية فيها المغفرة وفيها الحلم وفيها رجاء الخير من الله عز وجل، يقول سبحانه وتعالى: (والله هو الغني الحميد)، يقول النسفي صاحب مدارك التأويل، إن الله سبحانه وتعالى هو الغني، عن كل أحد، والكل مفتقر إليه سبحانه وتعالى، ولما كان الغني قد لا يكون محمودا في صفاته قد يكون غنيا ولكنه بخيل، لكن الله سبحانه وتعالى هو الغني الحميد المحمود بصفاته سبحانه وتعالى المحمود بغناه فإنه لازال واسع الفضل عظيم الجود سبحانه وتعالى، أنتم الفقراء الى الله، فإذا دعاك الله كيف تصد عنه؟! إذا أمرك الله كيف تعصيه؟! أنت المحتاج الى الله، أنت الفقير الى الله، كان من دعاء زين العابدين رضي الله عنه في الحرم يقول: (فقيرك ببابك، عبدك بفنائك، مسكينك بفنائك) إن التذلل بين يدي الله عز وان الافتقار الى الله غنى، فالإنسان لا يغتر لا بمال ولا بمنصب ولا بجاه ولا بعزوة ولا بعشيرة فإن كل ذلك زائل، بل ان كل ذلك ما كان ليكون لولا أن أعطاك الله عز وجل.
ألقيت المحاضرة في مسجد فاطمة الجسار بمنطقة الشهداء