(إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا)، هذا الخلق الذي نراه أمامنا، هذا الكون العظيم، هذه الأرض المنبسطة، وهذه السماء المرفوعة، لو أراد الله عز وجل لخسف بنا الأرض، ولأسقط علينا السماء، لكنه برحمته يمسك السماء، ويمسك الأرض ان تزول وتضطرب، فالله سبحانه وتعالى رحيم بمن فيها ومن على هذه الأرض، يقول سبحانه وتعالى: (وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ)، يعني لئن زالت السموات والأرض عن مكانهما هل هناك خالق غير الله عز وجل يعيد إمساكها مرة اخرى؟ لا أحد، لا خالق إلا الله عز وجل (إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً)، الله عز وجل حليم عليك أيها الإنسان، يكفرون بالله ويغذيهم ويمدهم ويحلم عليهم ويرزقهم، حليم في تأخير عقوبته على الكافرين والعصاة غفور لمن تاب من ذنبه ورجع إليه.
قريش تتحدى أهل القرآن
(وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ)، الله عز وجل يخبرنا عن مقولة قالتها قريش، فقريش كانت تتحدى أهل الكتاب، تقول لهم لو نزل علينا كتاب وحي من السماء كالذي نزل عليكم لكنا أهدى منكم وأحسن منكم، طبعا هم يفخرون حتى بما لم يكن، الله عز وجل يعجب من حالهم لما جاءهم هذا الكتاب جحدوه ونكروه، (فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً)، نفروا من الحق.
مكرهم يعود عليهم
والله عز وجل بيّن علة نفورهم من الحق قال: (اسْتِكْبَاراً فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ)، وأنهم استبكروا على الحق وتمسكوا بسيادتهم ولم يريدوا ان ينازعوا عليها وأنهم ما قالوا هذه المقولة وهم يريدون الحق، ولكنهم قالوها فقط حتى يفخروا على أهل الكتاب ويتكبروا عليهم ويمكروا بهم بهذا الكذب، ولذلك الله عز وجل قال: (وَمَكْرَ السَّيِّئِ)، والمكر السيئ لا يحيق إلا بأهله، ففضحهم الله عز وجل، لما جاءهم الكتاب فبين كذبهم، قال عز وجل: (وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ)، فيعجب الله عز وجل من قول هؤلاء الكافرين، ما الذي يمنعهم من الإيمان؟! (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً)، الله عز وجل يقسم بما أجرى من سنن كونية في هذه الحياة الدنيا، هناك سنن لا تختل أبدا، نظم وقواعد ربانية وضعها الله عز وجل سارت عليها مراكب الأيام، إن الكافرين والأمم الكافرة لابد ان يحيق بهم عذاب الله عز وجل، ولابد لله عز وجل من ان ينصر رسله ويعز ودينه.
الحض على الاعتبار
قال سبحانه وتعالى: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً)، الله عز وجل يقول للإنسان، أيها الكافر أيها الجاحد سر في الأرض وانظر بعينيك وانظر بقلبك الى تاريخ البشرية وهذه الآثار التي تراها أمام ناظريك اتعظ بها ولتحرك ما فيك، (كيف كان عاقبة الذين من قبلهم)، دمرهم الله عز وجل، وإن اغترت قريش بقوتها وبعزتها يقول سبحانه وتعالى: (وكانوا أشد منهم قوة)، يعني لا تغتر أيها الكافر بقوتك فإن الله قد أباد من هو أقوى منك، (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ)، الله عز وجل لما جاء بالكلمة هنا (مِنْ شَيْءٍ)، العرب اللفظة عندهم تقع موقعا يحرك قلوبهم، الله عز وجل لم يقل يعجزه شيء، قال من شيء للتبعيض يعني اي شيء، ولو صغر في السموات وفي الأرض، او عظم في السموات وفي الأرض، فالله سبحانه وتعالى قادر عليه، يقول سبحانه وتعالى: (إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً)، يذكرنا الله عز وجل بإحاطة علمه فهو يعلم من يستحق عذابه ومن يستحق ثوابه ولا تظن ان هذا العالِم غير قادر على عقابك، فإنه سبحانه وتعالى عالم وقادر سبحانه، قادر على ان يحيق بك العذاب الأليم.
بشارة من الله عز وجل
لكن رحمة الله عز وجل التي كتبها على نفسه سبقت عذابه، فقال عز وجل: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا)، لو يؤاخذ الله الناس بما عملوا من الذنوب والمعاصي، قال عز وجل: (مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ)، لأخذ بالعذاب ليس فقط الناس ولكن الدواب التي تمشي في الأرض من عظم الجرم الذي يقترفه الإنسان حتى الدواب تؤخذ معه في هذا العذاب، قال عز وجل: (وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى)، الأجل المسمى يعني وقتا معلوما عنده، طيب الوقت المعلوم هل فيه تغيير؟ طيب الإنسان إذا أيقن في قلبه ان هناك وقتا معلوما مضروبا من الله عز وجل لا يتأخر دقيقة ولا يتقدم، يعلم انه إنما سائر في حياته الى لقاء هذا اليوم والأجل المعلوم، ويعلم انه ما خطا خطوة في حياته ولا أمضى دقيقة من عمره إلا قرب من هذا الأجل المعلوم، لذلك على الإنسان أن يحرص على هذا اليوم وكيف سيكون لقاؤه مع الله عز وجل عند ذلك الأجل المعلوم، يقول سبحانه وتعالى: (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً)، لا يخفى عليه شيء، ولا يعزب عن علمه شيء من أمورهم سبحانه وتعالى، فإنه لما علم جازى عز وجل بما علم، فسيجازيهم بأعمالهم إن خيرا وإن شرا كما قال عز وجل: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره)، هذا بفضل الله تمام سورة فاطر والله عز وجل أعلى وأعلم.
البشارة التي في سورة فاطر بشارة عظيمة، وآية كريمة من الله عز وجل أنه اصطفى هذه الأمة وأعطاها هذا الكتاب العظيم الذي تتحقق به النجاة، فاستمسك أيها الإنسان بهذا الكتاب واعمل بما فيه فإنك حتى وإن قصرت فإن الله عز وجل بإذنه وبرحمته سينجيك من الهمّ ومن الحزن.
ألقيت المحاضرة في مسجد فاطمة الجسار بمنطقة الشهداء