ثمة دروس عظيمة تقدمها لنا الحياة بين الوقت والآخر، ولكن المشكلة أن هذه الدروس تمر أحيانا من دون أن نستفيد منها، فالكوارث الطبيعية والحروب تقدم مواعظ كبيرة على جميع الأصعدة، خصوصا بعد أن تحول العالم إلى رقم من الديجيتال يؤثر ويتأثر ببعضه.
فالحرائق التي جاءت على غابات روسيا قبل أسابيع، قد يظنها غير المهتمين للوهلة الأولى بأنها محلية لا تعني أحدا غير موسكو، ولكن حين نعلم أن هذه الحرائق دمرت ربع الإنتاج من القمح الروسي، وأن رغيف الخبز أصابته العولمة، فإن الكثير من نواقيس الخطر ستدق، كون الصادرات الروسية من هذه المادة الغذائية ستتضرر كثيرا، ومعها ستتضرر الدول العربية المستوردة لها، ولم تكتف روسيا بإعلانها الحظر على تصدير الحبوب، بل إنها نفسها طلبت نحو 5 ملايين طن من الحبوب لتغطية حاجتها لهذا العام. وهو الأمر الذي أدى ايضا إلى ارتفاع أسعار الشعير مثلا بفارق 150 دولارا تقريبا، إلى جانب ذلك، فإن الدول الأخرى المصدرة ستقلص من تصديرها تماشيا مع هذا الانكماش، وبالنسبة للدول المستوردة فقد تتقشف باستعمال ما لديها من حبوب، مما سينعكس على استهلاك الفرد. فيما خفضت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة «الفاو» توقعاتها للإنتاج العالمي للقمح للسنة الحالية بنحو 25 مليون طن، ولذلك يتوقع المراقبون «أو على الأقل يخشون» حدوث أزمة على غرار الأزمة المالية العالمية التي حدثت عام 2008.
والذي نستخلصه من هذا هو أن الأمن الغذائي العربي بشكل عام، هش وغير متماسك، وبإمكان أي سنبلة قمح أن تهزه، وهذا ينبئ بكوارث خاملة، مثل بركان متربص، لأن الأمن الغذائي هو آخر اهتمامات الدول، حيث يأتي الاهتمام بالتسليح بالدرجة الأولى.
وهذا يقتضي من الدول العربية أن تعيد النظر في مواردها، والبحث عن بدائل، إذ إن أي استقرار أمني مدني قوامه الاستقرار الأمني الغذائي، ويخشى المراقبون في تصريحات أدلوا بها لوسائل إعلام عربية أن يؤدي الارتفاع في أسعار القمح إلى ارتفاع في أسعار الخبز، وهو ما قد ينذر باندلاع مواجهات في بلدان عدة إذا لم تعمد الحكومات إلى اتخاذ تدابير كافية للحفاظ على استقرار الأسعار.
على العالم اليوم أن يعيد حساباته وفق الاتفاقيات الدولية بشأن الإنتاج والصادرات والواردات، وأن يغلب الجانب الإنساني في هذه المسألة على الجانب الاقتصادي والمصلحي والنفعي. وأن يتاح للدول أن تزرع ما يسد حاجتها من الموارد الغذائية وتحقيق الاكتفاء الذاتي.
وهذا يفضي بنا الى السؤال عن إمكانية استصلاح أراضينا لجعلها صالحة لزراعة القمح، وهل جرت تجارب جادة لذلك؟ خصوصا ان تجارب اخرى نجحت كزراعة أنواع من الخضراوات. لأننا لسنا بمنأى عن أي كارثة اقتصادية مقبلة. فقد أثبتت «الدروس» أن عود كبريت يشعل في غابات روسيا من شأن حرارته أن تلسع العالم بأسره.
[email protected]