ليست البطالة وحدها التي نعرفها بمفهومها التقليدي المسؤولة عن كثير من مشاكلنا، ولا حتى تلك التي تسمى بالبطالة المقنعة، بل هناك بطالة أشد وطأة وأقسى وقعا على المجتمع، وهي بطالة الخريجين من تخصصات نادرة ودقيقة، وبالتالي فمشاكل العمل لا تنتهي بانتهاء الحصول على شهادة جامعية او دورات تأهيلية، بل إن مشكلة العمل عندنا لها ألف ذراع، ومتشعبة ولكن هذا لا يعني انه ليس لها حل.
يرى بعض المتخصصين أن «ارتفاع نسبة البطالة ونمو حجم القوى العاملة يرجع إلى عدم توافق مخرجات التعليم والتدريب مع احتياجات سوق العمل، واستمرار نمو مخرجات التعليم الجامعي الحكومي في تخصصات تفوق حاجة السوق، مع عدم توافق مؤهلات الخريجين العاملين مع متطلبات وظائفهم».
ولذلك ظهرت نظريات تفيد بضرورة أن يتم إجراء معادلة متوازنة بين حاجات السوق وطبيعة التخصص الذي يحتاجه هذا السوق، ولكن أيضا هذا الحل غير عملي، لأنه يعمل على حساب حرية الاختيار ورغبة الإنسان في دخول التخصص الذي يرغب فيه، حيث يحق للطالب اختيار التخصص الذي يرغب فيه من بين التخصصات المتاحة له، وليس من الضروري أن يعمل بعد التخرج في ذلك التخصص بالذات، فخريج الحقوق يمكن أن يعمل في عشرات الوظائف غير المحاماة، والمهندس يستطيع أن يكون مديرا أو مسوقا، وكذلك خريج الآداب واللغات وعلم الاجتماع وغيرها.
كثيرون ينظرون إلى مشكلة مخرجات التعليم من نقطة البداية إلى نقطة النهاية، وربما يكون هذا هو الوضع الطبيعي للسعي نحو حل أي مشكلة، ولكن في مسألة مخرجات التعليم فإن الوضع يختلف، فحلها يقتضي أن يتم النظر إلى المشكلة بالمقلوب، أي من النهاية إلى البداية، فلو أوجدنا سوقا واسعة تستوعب كل التخصصات، لأصبح الأمر أكثر سهولة، ويتأتى ذلك بفتح أبواب جديدة للعمل من خلال تنشيط العمل الاقتصادي وتشجيع الاستثمار واستقطاب رؤوس الأموال وتوطينها، إلى جانب توطين العمل نفسه. ويبدو أن مشكلة الاختناق الوظيفي قد بدأت تظهر فعليا، فحجم سوق العمل بجميع أنشطته بدأ يضيق شيئا فشيئا قياسا إلى ما يتدفق اليوم من خريجين، خصوصا بعد فتح آفاق جامعية جديدة سواء في داخل الكويت أو خارجها، وهذا يعني أن ازدحاما على طابور العمل سيمتد أكثر مما هو ممتد الآن.
إن حل مشكلة مخرجات التعليم لا يقع على عاتق الحكومة فقط، ولا عاتق القطاع العام، بل ربما أن مساهمة القطاع الخاص في حل هذه المشكلة هو الأكثر أهمية، لأن القطاع العام في ظل وجود بيروقراطية وعدم تخطيط جيد، يؤدي إلى تراكم وظيفي وبطالة مقنعة، بينما القطاع الخاص يعرف أكثر، من خلال مصلحته المنفعية المشروعة، كيف يستثمر هذه المخرجات بالطريقة المثلى، وفي حال أردنا أن يكون للقطاع العام الدور نفسه، فما علينا سوى أن نزيل حاجزا صغيرا اسمه «التخبط».
[email protected]