[email protected]
المكان: شرق أوروبا في إحدى الدول التابعة للنظام الشيوعية آنذاك.
الزمان: بداية التسعينيات.
الأبطال: أنا وأحد الأصدقاء.
المهمة: لا توجد مهمة!
الهدف: قرار ارتجالي وجب التنفيذ.
في بداية التسعينيات وبروح المغامر وبدون أي تخطيط للسفر أعلنت أنا وأحد الأصدقاء عن سفرة مفاجئة لي مساء يوم الأربعاء وتم الحجز يوم الخميس عصرا والطيران في صباح يوم الجمعة بتسارع لذيذ ودونما اي ترتيب، ركبنا الطائرة انا و(سعد) وهو أحد الأصدقاء المقربين، ونزلنا بعد خمس ساعات تقريبا في بلاد لا نعرفها ولا يتكلمون لغتنا ولا اللغة الانجليزية بلاد ساحرة الأجواء خلابة المناظر، لم أر كجمال أجوائها إلا في الرسوم المتحركة والأفلام، وكأنها من وحي فنان أو رسومات أطفال باللون الأخضر، الجو ممطر والبلاد ساحرة جدا.. أما نحن فلا يوجد لنا حجز للفندق لعدم توافر وكيل للسفر في تلك البلاد ولم تكن لهم عملة تتداول في الكويت لنأخذها معنا ولا نعرف القرية التي نريد الذهاب إليها فاسمها في ورقة صغيرة في حقيبة سعد الذي بقي يبحث عن تلك الورقة حتى تفرقت أغلب سيارات التاكسي عنا.
بعد الكثير من الضحك على حالنا استطعنا أن نقنع أحدهم بأن يأخذنا لتلك القرية التي كنا ننطق اسمها بصورة سيئة جدا، وبعد مفارقات السكن والتنقل الممزوج بالمتعة اللامتناهية لعدم الترتيب لأي شيء فكل ما جاء تباعا كان دونما تفكير وبعد الكثير من الوقت مع أهلها وباستغراب عن نمط حياتهم بدأت أفهم أنهم ينتمون لعصر آخر أو فكر آخر يدير أنماط حياتهم بعالم لا نعرف عنه شيئا سوى الاسم «الشيوعية»، إلا أن ما أدركته أنها بلاد جميلة ورخيصة الأثمان ولا يوجد للسياح العرب فيها موطئ قدم، والأغرب من ذلك أنك تشعر بأمان كبير جدا وهي خالية من العاطلين عن العمل ولم أشكُ من أي مشكلة مع أحد، فالكل ملتزم والكل حريص على ألا يرتكب أي خطأ وإن كان عاديا.
بعد ذلك أدركت إيجابيات وسلبيات الشيوعية وكيف تدير الأرض التي تغتصبها وكيف تبسط هيمنتها دونما رحمة لدرجة تدجين كل من سكن تلك الأرض التي استولوا عليها بعكس ما كتب في نظرياتهم وكتبهم البهيجة عن العمال والحقوق وغيرها من الأحلام، ولم يكن يعلم ذلك الشعب الطيب أنه باتجاه التغيير الجبري نحو حقبة جديدة من الحياة فهم يتجهون إلى النقيض من أمرهم إلى «الرأسمالية» بكل مالها وما عليها خصوصا بعد سقوط الاتحاد السوفييتي آن ذاك، غبت عنها وعنهم بضع سنين وكانت دائما الحاضر الغائب لما لقيت من جمال وأمان وراحة بال وبعد أن زرتها لاحقا لاحظت تغير كل شيء وتحديدا نظام الدولة كما لجاراتها الأوروبيات، تغيرت تلك الفتاة الجميلة وتبدلت أحوالها وأحوال أهلها وكأنها شاخت ألف عام إلا أنها بلباس جديد ومكياج أرتب ولكن دون براءة تلك الفتاة الصغيرة التي عرفت.
كذلك هي الحياة، ليس كل شيء جديد يكون هو الأفضل وإن غلف بالكثير من الوعود والكلام المنمق والرؤية الاستراتيجية لمن يديرون الأمر أو من يقدمون أنفسهم، فلا أروع من الأفكار الشيوعية ذات التطبيق السيئ ولا أروع من الحياة الرأسمالية ذات الحكم الجبري وسلطة المال، فكل أرض أو وطن له خصوصيته وطبيعة أهله التي يجب أن تصاغ دساتيرهم وقوانينهم حسب حياتهم وأعرافهم ودينهم، ولا خير في أي فكرة - سياسية كانت أو اجتماعية أو اقتصادية أو غيرها - تجعل من أهلها عبيدا لأحد أو أن يكونوا متناحرين كارهين لبعضهم يمتهنون الكذب والخداع للاستزادة من القوة والمال دون الخوف من أن ينبذ بين العباد ودون الخوف من رب العباد.