خلق الله الكون وأنزل الكتاب والميزان حتى يحكم للناس أعمالهم، إذ إنه سبحانه هداهم للنجدين، والله سبحانه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وهو الذي لا تأخذه سبحانه سنة ولا نوم، وهو جلت قدرته عنده كل صغير وكبير مستطر وهو الحق الذي أوصى الملكين رقيب وعتيد عليهما السلام بتسجيل أعمال الخلق إما في سجين للفجار وإما في عليين للأبرار.
وفوق هذا وذاك فإن العدل سبحانه ينطق الجوارح في يوم الحساب لتكون، لا مراء، الشهادة الدامغة على الإنسان وفق قوله تعالى: (حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون وقالوا لجلودهم لما شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء) (فصلت: 20- 21).
وفي جهنم وسقر، يشهد على العصاة والفجار عند حشرهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم لكون جل الذنوب إنما تقع عليها أو بسببها، فبها كان الخلق يمارسون الفاحشة والبغي والمعاصي والشرك في الدنيا ولكنها تنطق بقوة القوي سبحانه، شهادة عليهم يوم الآزفة، فالجبار سبحانه هو الذي أنطق كل شيء مما ينطق من مخلوقاته، فكما تنطق الألسن في الدنيا تنطق بقدرته يوم التغابن.
يروى في الأثر أن شاباً مسلماً في عنفوان شبابه توجه إلى شيخ وعالم جليل ليبلغه انه يرغب في الزنى، فكيف السبيل إلى ذلك، فأجابه الشيخ الوقور والعالم الجليل ان استطعت أن تفعل ذلك في مكان لا يراك الله فيه فلا ضير عليك، فبهت الذي كفر.
لا مراء أن مثل هؤلاء الشباب قلوبهم في أكنة مما تدعو إليه تعاليم الإسلام وفي آذانهم وقر وبينهم وبين الحق حجاب، فسلطان الله سبحانه في فطرة الكون، وسلطانه في تاريخ البشر يطلعهم على عزته في ذوات أنفسهم التي لا يملكون منها شيئا.
ولا يملكون شيئا من سلطان الله، ففي هذا الموقف العصيب فإن جوارح الإنسان من لسان ويد وعين وأذن وأرجل وجلود تتخلى عنهم في هذا الموقف لتكون عليهم شاهدا.
ومن أصدق شهادة من جوارحك يا بني آدم التي زاملتك ولازمتك في حياتك كلها.
ففي اليوم العصيب، يوم لا ينفع مال ولا بنون ولا شفاعة حاكم، تكون عاقبة الذين اعتدوا على حرمات الله وأعراض الناس واستحلوا المال العام والأراضي، وأشركوا بالله أن يحشروا ويجمع أولهم على آخرهم، وآخرهم على أولهم كالقطيع إلى أين؟ إلى النار وبئس المثوى والمصير!
وكلما ازداد عليهم السعير سألوا جوارحهم، لاسيما الجلود: لم شهدتم علينا؟ فكانت إجابة بحقيقة أخفيت عليهم في غير مواراة ولا مجاملة، أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء فلله سبحانه المنشأ واليه المصير، ولا مفر من قبضته في الأول وفي الأخير فمن استطاع رد المظلمة فعليه ذلك قبل يوم الحساب.
[email protected]