لا يوجد في السياسة ما هو صحيح 100%، كما لا يوجد فيها خطأ مطلق، هذا إذا ما أردنا أن نطبق معادلة القراءة الفنية المتجردة للوضع السياسي في البلد، فمحاولات السلطة للوصول إلى صيغة وسط لتعديل الدوائر عبر سعيها لتقليص عدد الأصوات لا تعني أن السلطة وعبر الحكومة ترتكب خطأ بالضرورة، بل هي تمارس السياسة على أرضية متغيرة، حتى وإن بدا الأمر خطأ من وجهة نظر المعسكر الآخر وأعني المعارضة، وعلى ذات القياس عندما تقوم الأغلبية المعارضة برفع سقف الحديث فهي لا ترتكب كفرا بالضرورة، لا أقول أنها تسن سنة حسنة هنا، ولكن، هذه هي السياسة، كل يرمي بأوراقه في الوقت الذي يعتقد أنه صحيح وفق رؤيته ووفق مصلحته.
وعليه إذا أردت أن تتعامل بالعاطفة في قراءة الواقع السياسي الكويتي، فأنت هنا ترتكب خطيئة في حق نفسك، بل وفي حق من تنتصر له في قراءتك العاطفية تلك، فستصور له تحركه السياسي وكأنه صواب مطلق منزه مقدس عن النقد، وهذا للأسف ما يرتكبه مستشارو السلطة مثلا في بعض الأحيان، كما يرتكبه على الطرف الآخر منظرو ومؤيدو المعارضة الذين يصورون أخطاءها مهما بلغت فداحتها وكأنها الصواب الذي لا صواب غيره، أما إذا أردت أن تقرأ الواقع السياسي برؤية عقلانية منطقية، فستجد أن أخطاء ترتكب هنا وأخطاء تحصل هناك، بل وستكتشف وجود معسكر ثالث في معادلة المشهد السياسي وهو الطرف المنسي والمهمل وسط هذه المعمعة، وأعني معظم الشعب.
المختصر الواضح للوضع السياسي في الكويت والمكون من طرفين رئيسيين هما السلطة والحكومة من طرف والمعارضة من طرف آخر هو أن الجميع يلعب بأوراقه السياسية المتوافرة لديه، الأمر هنا سياسة، وليست مسألة أخذ خواطر، وكل طرف يحاول أن يرمي بكل أوراقه وفق ما يخدم مصالحه أو توجهاته، وهنا لابد أن ننتبه إلى أن مصالح كلا المعسكرين ليست بالضرورة في صالح البلد، وعليه فالمعسكران الآن يرتكبان خطأ في حق الوطن، وهذه ربما تكون الحقيقة المجردة التي تخرج من بين دوامة الفوضى التي تسبب فيها الطرفان.
كل طرف يحاول أن يكسب مساحة من الانتصار لصالح أهدافه التي ينوي تحقيقها، أما انتم أيها الشعب فلا تملكون، وكما هو واضح، سوى الانتظار لحين فتح باب الصناديق لتقولوا كلمتكم.
والسؤال المنطقي هنا: «أين الخطأ؟»، وفي الحقيقة أن هذه هي السياسة، علينا أن نتقبلها ونتعايش معها، فكلا المعسكرين يمارسانها، برأيي أن كلا المعسكرين يمارسان أخطاء، وهي أخطاء من شأنها أن تنعكس ولو لاحقا على مستقبل البلد سياسيا.
توضيح الواضح:
قدم لي الزميل الإعلامي الباحث صالح بركة السعيدي كتابه الجديد «حصاد الدوائر الخمس»، ويحوي قراءة إحصائية في واقع الدوائر الخمس عبر دراسة تحليلية لانتخابات 2008 و2009 و2012، وفي خاتمة الكتاب يقول الباحث السعيدي: «أجهضت الدوائر العشر التي عمل بها منذ العام 1962 وحتى العام 1981، وأدت هذه التقسيمة بعشر دوائر وخمسة أصوات إلى تأسيس نوتة لقوائم سياسية وتكوينات أولية لأشكال من التنظيم الحزبي، وتم الانقلاب على النظام الانتخابي وتمت مضاعفة عدد الدوائر إلى 25 ما عزز الطائفية والقبلية وظهور نواب الخدمات وشراء الأصوات واستعار الانتخابات الفرعية».
إلى هنا وحديث الزميل السعيدي هو حديث ينطلق من قراءة إحصائية وفنية للواقع السياسي في الكويت، وبرأيي أننا بانتظار الانقلاب الثاني على النظام الانتخابي بتقليص عدد الأصوات من 4 وفق الدوائر الخمس إلى صوتين أو صوت، وكما ذكرت في مقالة سابقة إن تقليص عدد الأصوات يعني عودة المال السياسي بقوة.
[email protected]